من تأييد غير مشروط، إلى نبرة تهديد غير معهودة، تحول الخطاب الأوروبى خلال الأسابيع الماضية تجاه سياسات الاحتلال الإسرائيلى وجرائمه المستمرة بحق الفلسطينيين، بعد أن تجاوز كل الحدود فى حربه على قطاع غزة وبات يحرج حلفاءه وأصدقاءه الأوروبيين الذين لطالما اتسمت مواقفهم بالتحفظ الدبلوماسى حين يتعلق الأمر بإسرائيل، لكن أوروبا تحولت مؤخرا إلى تبنى مواقف رسمية اتسمت بالصراحة الحادة، واتخذت خطوات عملية غير مسبوقة، والتى كان آخرها تصريحات ألمانيا بشأن ثبات علاقتها المركبة بـ إسرائيل ، لتتماشى برلين مع شركاء أوروبيين رئيسيين كانوا مترددين أيضًا فى انتقاد إسرائيل صراحة بشأن الحرب على غزة ، وهو ما يطرح التساؤلات حول أسباب تغير الموقف الأوروبى الرسمى، ومدى فعالية ذلك فى الضغط على إسرائيل .
اللافت للنظر خلال الأيام الماضية هو تغيير ألمانيا من خطاب التأييد اللا محدود لإسرائيل إلى خطاب محتواه أن لا شىء يمكن أن يضفى الشرعية على ما يجرى، وأن ألمانيا لا يمكنها التزام الصمت إذا استمرت إسرائيل فى انتهاك القانون الدولى فى حربها مع حماس .
وقال المستشار الألمانى فريدريش ميرتس، إن ما يفعله الجيش الإسرائيلى فى غزة لا يمكن تبريره، وذلك غداة تأكيد وزير خارجيته أن برلين غيرت خطابها تجاه إسرائيل وأنها قد تغير سياساتها نحوها الفترة المقبلة.
الخطاب الألمانى الجديد تجاه إسرائيل جاء ليتماشى مع المواقف الأوروبية التى أكدت على تزايد مستوى السخط على إسرائيل فى أوروبا، مع فقدان المسئولين صبرهم على رئيس وزرائها بنيامين نتيناهو المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية.
وفى سياق تعليقات وسائل الإعلام العالمية على تغير الموقف الأوروبى تجاه إسرائل، نشرت «الجارديان» البريطانية مقالا للكاتبة ناتالى توتشى، أشارت فيه إلى أن الضمير الأوروبى بدأ يستيقظ على جرائم الحكومة الإسرائيلية فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، حيث إن حتى أكثر الداعمين لإسرائيل يجدون حاليا صعوبة متزايدة فى تبرير هذه الجرائم، مؤكدة أن العلاقة التجارية بين الاتحاد الأوروبى وإسرائيل تمنحه نفوذا يمكنه من اتخاذ إجراءات عملية.
وتساءلت كاتبة المقال عن أسباب هذه اليقظة المتأخرة والبطيئة، ورأت أن ذلك ربما يكون بسبب العدد الكبير من القتلى الفلسطينيين فى غزة، أو ربما لتعرض آلاف الأطفال لخطر الموت جوعا وجراء سوء التغذية، أو احتراق المدنيين أحياء، أو خطط إسرائيل لإعادة احتلال قطاع غزة واستعماره مجددا وطرد الفلسطينيين منه، أو ربما بسبب إطلاق الجيش الإسرائيلى النار على دبلوماسيين أجانب، من بينهم أوروبيون، فى الضفة الغربية، أو الهتافات العنصرية فى مسيرة برعاية الدولة الإسرائيلية فى القدس مثل «الموت للعرب» و»لتُحرق قراهم».
ورجحت الكاتبة أن تكون الإجابة مزيجا من كل ما سبق، إضافة إلى إدراك أن الضغط المبدئى على إسرائيل لن يأتى من واشنطن وحدها بالتأكيد.
ومهما كانت الدوافع، فإن أوروبا، حسبما تقول توتشى، أصبحت تقترب من نقطة تحول، تطوى معها صفحة سوداء من التواطؤ فى حرب إسرائيل المستمرة منذ 20 شهرا على غزة، مشيرة إلى وقف المملكة المتحدة مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة الثنائية مع إسرائيل، وأن فرنسا أصبحت أكثر صخبا ونشاطا، ليس فقط فى مساعيها الدبلوماسية لحل الدولتين، بل أيضا من خلال تلميحها إلى إمكانية فرض عقوبات محددة على إسرائيل.
لكن الكاتبة وصفت هذه الخطوات بأنها صغيرة ومؤقتة، وإن كانت تشير إلى تغير فى الوتيرة والموقف، مؤكدة أن أوروبا لن تتوحد فى سياستها تجاه إسرائيل، بالرغم من أنه يمكنها التصرف من أجل تغيير مسار الحرب على قطاع غزة، خاصة أن أوروبا هى أكبر شريك تجارى لإسرائيل.
وذكرت توتشى، أن الخطوة الأهم من قبل الاتحاد الأوروبى حتى الآن تتمثل فى تحركه لتعليق الامتيازات التجارية التفضيلية لإسرائيل بموجب اتفاقية الشراكة بين الطرفين.
وأوضحت أن تعليق هذه الامتيازات لا يعد عقوبة، إذ إن العقوبات (مثل الحظر أو القيود التجارية)، تتطلب إجماعا بين الدول الأعضاء، ومن الصعب تصور أن جميع الدول الـ27 ستتفق على ذلك، كما أن تعليق الاتفاقية بالكامل يتطلب أيضا إجماعا، وهو أمر مستبعد.
وأضافت، أن تعليق الامتيازات التجارية التفضيلية، أى الامتناع عن منح إسرائيل ميزات بموجب الاتفاقية، يقع ضمن نطاق سياسة التجارة الأوروبية، ويحتاج فقط إلى «أغلبية مؤهِلة»، وهى 15 دولة من جملة 27 تمثل 65% من سكان الاتحاد.
وأوضحت، أن التبادل التجارى بين الطرفين يمكن أن يستمر، ولكن دون التسهيلات التى يتضمنها منذ دخول الاتفاقية حيز التنفيذ عام 2000.
فى الوقت نفسه، رأت كاتبة المقال، أن ما كان مستحيلا فى الماضى، أصبح اليوم احتمالا واقعيا، إذ يقوم الاتحاد الأوروبى حاليا بمراجعة مدى امتثال إسرائيل لالتزاماتها بموجب الاتفاقية.
وأشارت إلى، أنه من اللافت أن الطلب الرسمى بإجراء المراجعة لم يأتِ من دولة مؤيدة للفلسطينيين، مثل إسبانيا أو أيرلندا، ولا حتى من فرنسا، بل من هولندا، المعروفة تاريخيا بدعمها لإسرائيل، والتى تقودها حكومة يمينية.
من جانبها، أشارت صحيفة «فايننشال تايمز»، فى تقرير لها إلى أنه خلال الأسابيع القليلة الماضية أعلن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبى مراجعة لاتفاقية الشراكة بين إسرائيل والاتحاد، وأوقفت بريطانيا محادثاتها التجارية، وأدرج صندوق الثروة السيادية النرويجى شركة إسرائيلية على القائمة السوداء لتسهيلها توريد الطاقة إلى مستوطنات الضفة الغربية، حتى ألمانيا، الداعم الأكثر ولاءً لإسرائيل فى أوروبا، أصبحت تنتقد سلوكها.
واعتبرت الصحيفة البريطانية، أن كافة هذه القرارات تعكس نفاد صبر الدول الأوروبية على إسرائيل، لافتة إلى إصدار قادة فرنسا وبريطانيا وكندا تهديدات تشير إلى إمكانية فرض عقوبات مباشرة على إسرائيل.
وحسب «فايننشال تايمز»، فإنه من المرجح أن تكون العقوبات المصرفية والمالية غير فعالة، إذ يمكن للولايات المتحدة بسهولة إيجاد قنوات دفع وتمويل، لذا فإن العقوبات الفعالة قد تتمثل فى تجميد احتياطيات النقد الأجنبى، كما فعل الغرب مع روسيا، حيث إن ذلك سيكلف الاقتصاد الإسرائيلى الكثير.
وأوضحت الصحيفة، أن بنك إسرائيل يستثمر حوالى ربع احتياطياته الكبيرة نسبيا فى أوروبا، ما يجعل تجميدها خطر على الاستقرار المالى، لافتة إلى إمكانية استخدام هذه الاحتياطيات لاحقا لدفع أى تعويضات مستحقة للفلسطينيين.
وتابعت أن، العقوبات الأشد تأثيرًا تتمثل فى العقوبات على التجارة والسفر، حيث تحصل إسرائيل على ما يقرب من نصف وارداتها من السلع من أوروبا، وترسل أكثر من ثلث صادراتها إلى القارة، وفقا لمكتب الإحصاء الإسرائيلى. وتتكون حصة كبيرة من هذه الواردات من الوقود، وهى تجارة تتمتع أوروبا بنفوذ كبير عليها نظرا لهيمنتها على خدمات الشحن، كما أن ربع تجارة الخدمات الكبيرة لإسرائيل على الأقل تتم مع الأسواق الأوروبية، ومن شأن فرض قيود على خدمات الأعمال والسياحة أن يسبب اضطرابا كبيرا فى اسرائيل.