يحسب للصديق د. أشرف العربى ، وزير التخطيط السابق، إعادة "الحيوية" والنشاط المكثف لمعهد التخطيط القومى، وفتح قاعاته كـ "منصات" للحوار حول القضايا المجتمعية والتى تؤثر على حياة المواطنين.
وأعتقد أن هذا التوجه "محمود ومطلوب"، فلا يجب أن ينعزل المخطط الاقتصادى عما يدور فى المجتمع من مناقشات وحوارات.. عامة ومتخصصة.
ومؤخرًا استضاف "صالون" المعهد أستاذ الاجتماع المعروف د. أحمد زايد ، مدير مكتبة الإسكندرية ، للحديث حول معضلات المشروع الحداثى - من تحلل السباق إلى وهن الأخلاق!
العنوان خضنى.. وترددت فى الحضور، حيث إننى بحكم التخصص المهنى أتعامل مع أرقام ومعاملات، وأسمع عن "الحداثة".. لكن لا علاقة لى بها أو بالقائمين عليها!!
وكانت المفاجأة.. فى ازدحام القاعة بالمتخصصين.. والدارسين.. و"المريدين"، الذين جاءوا للقاء من كل المحافظات المصرية.
والمفاجأة الأكبر.. كانت فى حالة "التجلى" و"الفتح" التى ظهرت على د. زايد أثناء حديثه، وهى حالة نراها فقط مع بعض الصوفيين، فقد انطلق الرجل فى حديث شيق وبكلمات بسيطة معبرة، شارحًا معنى الحداثة ومفهومها وتأثيرها على الأفراد والمجتمع.. وعرض ما يشبه "روشتة" العلاج!
فالحداثة.. مصطلح واسع المعنى.. أبسطه؛ أنه يعنى "العصرنة" وتجديد ما هو قديم، ويشير إلى فترة تاريخية من التغيرات الكبرى فى المجالات الفكرية، والاجتماعية، والسياسية.
ويمكن وصفها بالحركة الفكرية الفلسفية والاجتماعية التى تأثرت بتحولات المجتمعات الصناعية ونمو المدن، وأنها كانت ردود فعل على أحداث تاريخية مهمة، منها.. الحربان العالميتان، وبدأت على يد المفكر الفرنسى ميشيل فوكومو، ومن بعده المفكران نيتشه وفرويد.
و الحداثة فى مفهومها الشائع.. تعنى قدرة المجتمعات على التغير والانطلاق واستخدام أدوات العقل فى إدارة المجتمع.
وتقوم على العقلانية والديمقراطية، وانتشرت فى جميع أنحاء العالم، ويقصد بمفهومها – أحيانا – بالنظام المعولم.. الذى يرى البعض أنه يؤثر على حرية وحياة الأفراد.
واستدرج د. زايد شارحًا المفهوم الجديد – ما بعد الحداثة! والذى يعنى لدى البعض "عدم اليقين".. فلا توجد ثوابت دائمة، بينما المجتمعات فى حالة تغير مستمر، وأن المستقبل أصبحت "فكرة" غامضة!
وأشار إلى ما يتحدث به البعض – حاليًا – مثل متطلبات التسارع والموت الاجتماعى، وسيولة المجتمعات ولزوجتها.. والخطر الفائق المتمثل فى الأمية والإرهاب!
وختم محاضرته بأن الحل لما تعانيه بعض المجتمعات من مشاكل حديثة، يتمثل فى فكرة الاستيعاب الأخلاقى.. التى تعنى: تخفيض آليات السوق والتى سيطرت على التعامل اليومى للأفراد والمجتمعات.. وإدراك العدل والحق والواجب.
شكرًا د. زايد.. شكرًا د. أشرف.