الأرقام والإحصائيات (حتى الرسمية) صادمة، وتشير إلى أن الأمراض النفسية وتعاطي المخدرات بين أولادنا وبناتنا فى عمر الصبا والشباب صارت ظاهرة مقلقة خلال السنوات الأخيرة، وتجاوزت الحالات الفردية لتشكل تهديدًا حقيقيًا للصحة العامة والتماسك الأسرى والمجتمعي، وربما يعرف أكثرنا أسباب الظاهرة؛ لأنه يعيشها أو يعايشها، ويعرف لماذا أصبح عدد كبير من الشباب عرضة لهذه الأزمات؟.. ويفهم أسباب هذا التحول داخل السياق المصري؟!، لكن لا مانع من أن نذكّر بها ونتذاكرها إن كنا جادين فى البحث عن حلول، وأن نشخّص أسبابها بكل صراحة، وهذا التشخيص - من وجهة نظرنا - يشير إلى عدد من العوامل كالتالى:
1- الضغط الاقتصادي و البطالة ، وينتج عنهما غياب الأمل الذى يولد الاضطراب، ولا يمكن تجاهل أن البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وسوء ظروف العمل تشكل عوامل ضغط نفسي متواصلة، ومن ثم يشعر كثير من الشباب أنه "محبوس فى دائرة مغلقة"، فالتعليم لا يقود إلى فرص عمل كريمة، والسوق لا يمنح أملًا فى بناء مستقبل واضح، وهذا الشعور باللا جدوى يؤدي إلى إصابة الشاب بالقلق والاكتئاب، ويدفع البعض للهروب عبر المخدرات أو الانطواء الذاتي.
2- تفكك الأسرة وفقدان الدعم العاطفي، وقد انشغلت كثير من الأسر عن دعم أبنائها نفسيا فى ظل أعباء الحياة المتزايدة، ومع الضغوط فقد يلجأ العائل (أب أو أم)، إلى استخدام القسوة فى التربية بدلًا من الحوار، فإذا ما أصيب الابن/الابنة بالمرض أو ظهرت عليه/عليها أعراض التوتر والاكتئاب يستهينون بها معتبرين إياها "دلعا"، ومع غياب التربية النفسية السليمة، يكبر الأبناء ولا يعرف الواحد منهم كيف يعبر عن مشاعره أو يواجه مشكلاته.
3 - الوصمة المجتمعية فى مجتمع تنقصه الثقافة، فيتعامل مع المرض النفسي على أنه "عيب"، وليس حالة مرضية وينظر للمرض النفسي على أنه ضعف أو جنون، ما يدفع أهل المريض -غالبا- لإخفاء المعاناة بدلًا من طلب المساعدة، وعلى مستوى المريض قد يؤدي هذا إلى تفاقم الأعراض، أو اللجوء إلى المسكنات السريعة كالمخدرات، أو يخلق حالة من الانفجار الداخلي.
4 - فقدان القدوة واختلال المنظومة القيمية، وقد أصبح كثير من الشباب يعيش وسط نماذج للنجاح الزائف، تعتمد على المظاهر والثراء السريع، مقابل تراجع الرموز التى تمثل قدوة قيمية إيجابية فى المجتمع، وهذا الاختلال القيمى الذى يساعد الإعلام والدراما على نشره وترسيخه، يخلق صراعًا داخليًا عند الشاب حين لا يرى معنى وصورة واضحة للسلوك الذى يجب أن يسلكه أو طريقًا مستقيمًا يمضى فيه للمستقبل.
5 - غياب البرامج الوقائية و الرعاية النفسية فى المدارس والجامعات، حيث ما تزال الصحة النفسية غائبة عن مناهج التعليم، ولا توجد آليات مؤسسية منتظمة لمتابعة الحالة النفسية للطلاب، هذا الفراغ الذى يسمح بانتشار المشكلات دون تدخل مبكر، ويجعل المساعدة تأتي متأخرة (هذا إذا أتت).
6 - الضغوط الاجتماعية والتوقعات غير الواقعية التى تحمَّل الشاب ما يفوق إمكانياته أحيانا، فكل أسرة تريد من ابنها أن يكون متفوقًا، ناجحًا، مسؤولًا، ومثاليًا، هكذا دون أن تزوده (الأسرة أو المجتمع) بالأدوات أو تهيأ البيئة المساعدة لذلك، وهذه الفجوة بين الطموح المبالغ فيه والواقع تصيب الشباب غالبا بالإحباط، ومن يحبط يبحث عن طرق للهروب تؤذيه أكثر مما تنقذه.
7 - يبقى من العوامل، الرفاهية الزائدة و"الدلع والتدليل"، الذى توفره بعض الأثر الثرية لأبنائها، دون أن تحسن تربيتهم، ولا نريد أن نتوقف عند هذا العامل كثيرا على اعتبار أن من يملك هذه الرفاهية لا يعنيه تكلفة العلاج، سواء فى الداخل أو الخارج.
وأخيرًا فقد طرحت فى مقالى السابق سؤال مفاده: ماذا تفعل الأسر الفقيرة ومتوسطة الحال فى حالة إصابة أحد أفرادها بمرض نفسى، وأتصور أن الإجابة لدى المسئولين بالدولة، والحكومة، ويقع على عاتقهم مسئولية كبيرة فى اقتحام هذه الأزمة، والتعامل مع هذا الملف بشكل أكثر شجاعة وواقعية، والاعتراف بالمشكلة هو بداية الحل، أما المجتمع ككل فهو فى حاجة إلى قبول ثقافة جديدة تؤمن بأن العافية النفسية لا تقل أهمية عن رغيف العيش.