نموذج لقدرة الوطن على التعامل مع الخطر.. 123 إسعاف حكايات العودة إلى الحياة

نموذج لقدرة الوطن على التعامل مع الخطر.. 123 إسعاف حكايات العودة إلى الحياةهيئة الإسعاف المصرية

123 عامًا من العمل الإنسانى والميداني، شهدت منظومة ال إسعاف المصرية العديد من التغيرات، والتطورات، بداية من عربة يجرها حصان إلى أسطول حديث يجوب الطرقات، وينطلق فى البحار والأرض، ما جعل من تلك المنظومة خط الدفاع الأول فى مواجهة الأزمات.

وكما أكد د. عمرو رشيد، رئيس هيئة ال إسعاف المصرية فإن « هيئة ال إسعاف المصرية ليست فقط عربات طوارئ، بل منظومة وطنية لحماية الحياة، تُجسّد قدرة الدولة على الوصول إلى كل إنسان فى لحظة الخطر».
فى هذا الملف، نلقى الضوء على جهود عناصر ال إسعاف المصرية، هؤلاء الأبطال الذين غابوا عن صفحات النجوم، ولم تسلط عليهم أضواء الشهرة، على الرغم من رسالتهم التى تحمل الأمل من قلب الخطر، وترسم كلماتها ملامح الحياة من حروف الموت. هنا نستعرض دور ال إسعاف المصري.. وحكاية وطنٍ لا يتخلى عن أبنائه وقت الشدائد.

من دفتر أحوال البطولة
على طريق القطامية، وقبل أن يسدل المساء ستائره، دوى نداء عبر جهاز اللاسلكى فى إحدى سيارات ال إسعاف الرابضة فى أقرب نقطة للحادث: «سقطت سيدة داخل بئر صرف صحي... الحالة حرجة».
لم يحتج المسعف إبراهيم السيد سعدة وزميله وليد محمد، قائد السيارة الإسعافية، أكثر من لحظات قليلة لينطلقا بكامل سرعتهما، إلى مكان الحادث، وفى أذهانهما سيناريو مألوف عن دورهما فى نقل المصابة، لكن هذه المرة، كان الوضع مختلفًا تمامًا..
رجاء ناجي
حكاية من حكايات مرفق «الإسعاف».. تبدأ بنداء استغاثة يعرف أمرها كل من يعمل فى هذا المكان.. تختلف شكل الاستغاثة ونوعها.. ولكن يبقى الثابت هو أن وراء كل صافرة إسعاف، هناك قلب ينبض بالخوف، ويد تُمسك بحياة شخص بين الحياة والموت، إنهم «جنود الظل» الذين لا يراهم كثيرون، لكنهم فى كل مكان، يسابقون الزمن لإنقاذ حياة لا يعرفون أصحابها.
على حافة الخطر
عند وصول «إبراهيم» و «وليد»، كان الزحام قد سبقهم إلى المكان.. عيون مذعورة.. أصوات متداخلة.. وجوه يرتسم عليها ملامح الأسى.. والترقب.. والرجاء، لكن ما لم يكن فى الحسبان، أن السيدة لم تكن على سطح الأرض، بل فى أعماق بئر صرف صحي، بعمق يقترب من 12 مترًا... ولا سبيل للنزول إليه، فهى عاملة وأثناء خروجها من مقر عملها، لم تلحظ الفوهة المفتوحة التى ابتلعتها وسقطت فى بئر الصرف العميق.
لحظات من الحيرة والخوف انتابت «إبراهيم» و «وليد».. أنهاها صوت أنين واستغاثة ألم قادمة من أعماق البئر تمزق القلوب، وعلى الفور انطلق الأول نحو بئر جانبى يبعد أمتارًا قليلة، يحتوى على سلم حديدى غير مكتمل، فلم يكن الوصول للقاع ممكنًا إلا عبر التشبث بمواسير الصرف الممتدة على الجدران الداخلية.
وبلا تفكير، تخلى إبراهيم عن القاعدة الذهبية التى تعلمها فى الطوارئ: «أمانك أولًا». فقد كانت الصرخات أقوى من التحذيرات.. نزل إبراهيم، يرافقه اثنان من عمال الموقع، ولم يكن يحمل معه إلا ضوء هاتفه وحقيبة صغيرة من المعدات وأيضا عزيمة كبيرة».
فى القاع، كانت السيدة ترقد غير قادرة على الحركة، مصابة فى العمود الفقرى والقدمين، تتنفس بصعوبة، ولكنها مازالت تتمسك بما تبقّى لها من أمل فى الحياة.
بدأ إبراهيم فى طمأنتها بكلمات مُشجعة، بينما فوق البئر، كان وليد ينسق المهمة، حيث طلب من المتواجدين فى المكان الابتعاد عن الفوهة، كى لا تسقط الأتربة على المصابة ومنقذيها، وجعلهم يشكّلون سلسلة بشرية لإحضار الحبال والمعدات.
وبمجرد وصول أول حبل، أرسل وليد حقيبة الإسعافات، ثم الجبائر، ثم الألواح الصلبة، بينما فى الأسفل، كان إبراهيم يعمل كما لو كان داخل غرفة عمليات كل حركة محسوبة بالسنتيمتر، وكل دقيقة تمرّ وكأنها ساعة، وبعد تثبيت المصابة على «لوح البورد» الصلب، جاء التحدى الأكبر.. وهو الصعود بها لأعلى بأربع حبال متساوية الطول وحزام عنكبوتي.. و بهدوء وحذر منقطع النظير.. بين الحشود المترقبة..والقلوب المعلقة.. والأنفاس محبوسة، أخيرًا... خرجت السيدة إلى الضوء خارج البئر.. وكأنها صعدت من قاع اليأس إلى سطح الأمل.
دفع إبراهيم النقالة نحو السيارة، وجلس بجوار المصابة ليتابع حالتها، بينما كان وليد يركب خلف المقود، ينطلق بالسيارة، وهو يطلق صافرة الإنذار نحو المستشفى، حيث استقبلها الأطباء ليبدأوا العلاج.
السقوط فى بئر
وتأكيدا على أن واقعة السيدة التى سقطت فى بئر الصرف، لم تكن «نادرة»، ففى مساء يلفّه السكون، ذات يوم آخر جلس المسعفان كيرلس عدلى فهمى وشحاتة يونس شحاتة، داخل كابينة سيارة ال إسعاف كود 4185، يلتقطان أنفاسهما من وردية حافلة بالحالات التى تمكنا خلالها من نقل أكثر من حالة تتطلب الإسعاف، ورد بلاغ عاجل عبر اللاسلكي: «مصاب داخل موقع تحت الإنشاء... سقط فى بئر تحت الأرض».
استغاثة كانت كفيلة بتحركهما خلال ثوانٍ، وانطلقت سيارتهما كطلقة حياة تشق الليل بأضوائها الزرقاء وصفارتها المدوية، تنذر من بجوارها أنها فى سباق مع الزمن قبل أن يبتلع المصاب بئر الموت.
عند الوصول إلى موقع البلاغ، كان المشهد مهيبًا.. حشد من العمال يحيطون بمبنى قيد الإنشاء وأعينهم تتركز على فتحة ضيقة تؤدى إلى البدروم السفلي، حيث كان شاب يرقد فى بئر عمقه يزيد على 20 مترًا، يتخلله سلّم حديدى مكسور، والضوء الوحيد المنبعث من سواد العمق والليل، ضوء خافت من شاشة تليفون محمول فى الأسفل حيث يرقد الشاب اليافع الذى كان يخطو سنواته الأولى بعد العشرين، كما أخبرهم زملاء الموقع.
وبقدر دقة الموقف وخطره والعوامل المحيطة به، بدأ شحاتة وكيرلس رسم خطة الإنقاذ، فنزل الأول فى البداية، متشبثًا بما تبقّى من السلم المكسور، وتبعه كيرلس إلى قاع البئر، حاملَين حقائبهما ومصابيحهما، فى مشهد لا يمكن أن يؤديه سوى من نذروا حياتهم لإنقاذ الآخرين.
كان الشاب فى وعيه، لكنه عاجز تماما عن الحركة، الفحص المبدئى كشف عن إصابة محتملة بالفقرات وعظام الحوض، ما يعنى أى حركة خاطئة قد تعنى الشلل، وأن يفقد الشاب قدرته على الحركة تماما فيما بعد.
وبحرفية عالية، ثبّت المسعفان المصاب على نقالة «بودرة صلبة»، وربطوا الحزام المخصص لتثبيت الحوض، وأمّنوا الرقبة والفقرات جيدًا.. لكن التحدى الحقيقى لم يكن فى ما مضى بل فى القادم، وهو كيفية الصعود بالمصاب من هذا العمق دون إلحاق أذى.
وهنا برزت الخبرة، والقدرة على التعامل مع المواقف الصعبة، فقد استعان الفريق بحبل غليظ، وعقد محكمة، تولّى «كيرلس» الذى كان يملك خبرة ميدانية ربطها، و تجهيز معدات السحب بدقة نادرة، لتبدأ رحلة الإنقاذ العكسي.. شحاتة من الأسفل يثبّت ويوجّه، وكيرلس من الأعلى يسحب وهو يرفع صوته فى صراخ بين الحين والآخر: «شوية شوية… حافظوا على توازن البوردة!».
كانت القلوب معلّقة، والأنفاس محبوسة، حتى ظهرت النقالة على فوهة البئر، حاملة معها حياة انتُشلت من بين براثن الصعوبات.
لحظة صمت… ثم تنهيدة ارتياح جماعية من الحضور ولكن لا وقت للفرحة فالمهمة لم تكتمل، على الفور، نقل الشاب إلى سيارة الإسعاف، ومنها إلى المستشفى، حيث الرعاية الطبية المركّزة والمتخصصة.
مولود على الطريق
من صفحات نفس الكتاب، وفى فصل آخر تفاصيله هذه المرة فى مدينة السادس من أكتوبر.. وفى لحظة لم تكن فى الحسبان، ورد بلاغ عاجل إلى الخط الساخن 123.. سيدة شابة فى العقد الثانى من العمر كانت فى زيارة عائلية رفقة أختها ووالدتها.. فجأة داهمتها آلام المخاض وسط ذعر أهلها.
سيارة ال إسعاف كود 3155 انطلقت بسرعة نحو المكان، يقودها محمد كمال، ويشرف على الحالة المسعف محمد شعبان.. دقائق قليلة ووصل فريق الإنقاذ حيث وجدوا السيدة وقد تصببت عرقا وبدأ صوتها يخفت ولونها يتحول إلى الشحوب الشديد.
بثقة وحزم، بدأ محمد شعبان فى تهدئة الأجواء، ونقل السيدة إلى داخل سيارة الإسعاف، قبل أن يبدأ فى فحص العلامات الحيوية وقياس نسبة الأكسجين، بينما انطلقت السيارة فى طريقها إلى المستشفى.
فى الطريق.. لاحظ محمد تغيرًا فى العلامات الحيوية وتسارعًا فى ضربات القلب.. قبل أن تصرخ السيدة فى وهن «أنا بـ أولد»
لم يكن هناك مجال للتفكير.. تحولت السيارة فجأة إلى غرفة ولادة طارئة، وقام محمد بكل ما لديه من تجهيزات بسيطة، وخبرات إسعافية محدودة فى عمليات الولادة، بمساعدة الأم الصغيرة فى اللحظات الحاسمة، وبعد دقائق فقط، ولد الطفل ودوى صوت بكائه الأول فى السيارة.
محمد تمكن من قطع الحبل السرى الذى كان ملتفا حول رقبة الطفل وكاد يودى بحياته قبل أن تبدأ، وقام بتطهير جسده الصغير وتجفيفه ولفه فى إحدى الملاءات الموجودة فى السيارة، قبل أن يضعه على صدر الأم التى أجهشت بالبكاء لا تصدق نجاتها ووليدها وحين وصلت السيارة إلى المستشفى.. استقبل طاقم المستشفى السيدة وصغيرها لمتابعة حالتهما والاطمئنان أن الأمور تسير على ما يرام.
نصل معدنى يخترق رقبة مصاب
وفى واقعة من يوميات سجلات ال إسعاف أيضا، وفى صباح اعتيادى بحى الهرم فى الجيزة.. بلاغ عاجل تلقته هيئة ال إسعاف عبر الخط الساخن 123: «إصابة خطيرة داخل شقة تحت التشطيب..حالة حرجة... وربما متوفى لشخص اخترق نصل معدنى رقبته».
فى دقائق معدودة، انطلقت سيارة ال إسعاف بقيادة المسعف شادى حسنى وزميله باسم جمال عبد العظيم إلى موقع الحادث، وعند وصولهما، وجدا حشودًا من المواطنين يحيطون بالعقار، تتردد بينهم أقاويل متضاربة: «المصاب توفي».. «إنه ما زال حيًا!».
شادى لم يضيع وقتًا، بل سأل مباشرة عن مكان المصاب، ليعرف أنه فى الطابق الحادى عشر، صعد فورا برفقة زميله، وهناك رأى مشهدا وصفه بقوله: «لن أنساه ما حييت».. شاب فى منتصف العشرينات من عمره ملقى على الأرض.. غارق فى دمائه، اخترق رقبته نصل معدنى حاد متصل بأسطوانة صاروخ ثقيل.. كانت الدماء تحيط بالمصاب الذى مازال حيا.. وبدا المشهد مروعًا.. لكننا كنا نعلم أن كل ثانية فارقة فى عمر هذا الشاب».
وواصل: «بدأنا على الفور فى محاولة وقف نزيف الدم المتدفق، باستخدام الضمادات، مع الحرص التام على عدم تحريك النصل أو محاولة سحبه، لأن أى حركة كانت ستؤدى إلى وفاته على الفور»
«انتهت المرحلة الأولى بنجاح، لتبدأ التحدى الأصعب»، هكذا روى شادى وتابع: إنزال المصاب من الطابق الحادى عشر.
استخدم شادى وباسم نقالة تتحول إلى كرسى بعجلات، مصممة للمرور فى الأماكن الضيقة، واستمر قائلا: «كنت أدفع الكرسى أثناء نزول السلالم وكأننا نصور مشهدا بالتصوير البطئ، بينما كان باسم يمسك بالصاروخ المعدنى المثبّت فى رقبة المصاب، نحاول قدر الإمكان الحفاظ على ثباته دون أى اهتزاز.. وبفضل الله، نجحنا فى النزول به بسلام».
واستمر راويا: «وبينما انطلق باسم بسيارة ال إسعاف وسط زحام شارع الهرم الكثيف وهو يحاول تجنب الأماكن غير المنتظمة فى السير حتى لا تهتز السيارة بقوة.. كنت أنا أراقب العلامات الحيوية للشاب المصاب، وأطمئن على استقرارها قدر الإمكان، مع إبلاغ مستشفى الهرم بتفاصيل الحالة الطارئة لحظة بلحظة.. كانت كل ثانية تمر علينا كأنها دهرا خلال الطريق».
«بمجرد وصولنا» والحديث مازال لـ شادي، كان الطاقم الطبى فى حالة استنفار قصوى، نقل المصاب مباشرة إلى غرفة العمليات، وخضع لجراحة دقيقة لنزع النصل من رقبته، وتابع: «مهمتنا لم تتوقف عند هذا الحد، بل ظللنا أنا وزميلى باسم، على تواصل دائم مع أسرة المصاب حتى حضروا للمستشفى، وتأكدوا من نجاح عملية إنقاذه واستقرار حالته وعودته إلى وعيه، ومثوله للعلاج حتى تمام الشفاء».
عائد من الموت على المستطيل الأخضر
فصل جديد من كتاب بطولات رجال الإسعاف، تفاصيل هذا الفصل فى حى روض الفرج بالقاهرة، حيث يعيش المهندس الشاب «ياسر»، الذى يعشق كرة القدم، والذى استأجر مع بعض أصدقائه فى الحى ملعبا لأداء مباراة ودية فى أجواء مليئة بالحماس والمرح.
لكن فجأة، تحول الحماس إلى ذعر، فقد سقط ياسر على أرض الملعب دون سابق إنذار، وقد توقف قلبه بلا سابق إنذار، ليركض أصدقاء الملعب بحثًا عن النجدة.
ولحسن الحظ وصل أصدقاؤه إلى نقطة ال إسعاف القريبة، وهناك كان المسعفين محمود على و أحمد طارق فى حالة تأهب.. وخلال لحظات، تحرك السائق خالد حسن بسيارة ال إسعاف لنقل ياسر إلى المستشفى، وبدأت المعركة مع الزمن.
محمود وأحمد نفّذا إنعاشًا قلبيًا رئويًا، وضربات كهربائية متتالية، والعديد من الإجراءات التى جعلت ياسر لا يستسلم لنداءات الموت، بينما كان السائق خالد يناور بين زحام الطريق بسرعة واحتراف، محاولًا الوصول إلى مستشفى روض الفرج بأقصى سرعة.
بعد ما يقرب من نصف الساعة، انضم أطباء المستشفى لجهود الإنقاذ، حتى عاد المهندس الشاب للحياة، واستعد لإجراء قسطرة قلبية ضمن خطة العلاج.
أطباء «روض الفرج»، أكدوا وهم يتابعون حالة ياسر بعد أن خرج من «العناية المركزة»، إلى سرير عادى وحوله أسرته وأصدقائه، أنه لولا جهود رجال ال إسعاف لما تمكنوا من إنقاذ حياة مريضهم، وإعادته للحياة مجددا.. ففى اللحظات الفارقة، لا يعرف القلب منقذه، لكنه يذكر لمسة الحياة التى أعادته.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان