نعم لا تقرأ هذا المقال.. إذا كنت تبحث عن معلومات جديدة حول الحرب الدائرة بين إيران و إسرائيل حاليًا، أو كنت تريد تحليلاً لتفاصيل وواقع ومستقبل هذا الصراع البغيض، فما أكثر المحللين والمنظرين والعالمين ببواطن الأمور والمنتشرين فى الفضاء الفضي والأزرق، لكن هنا وعبر تلك السطور، لن تقرأ غير كلمات يدفعها يقين بأن ما من شىء أهم الآن من مصر، ولا شىء أعز وأغلى من الوطن، خاصة وقد تحققت بعض تلك النبوءات الخطرة حول حاضر مرير، ومستقبل غامض كتب لهذا الإقليم التعس.
أستحضر بشدة الآن فعاليات القمة العربية التى شهدتها بغداد فى 17 مايو الماضى، وكيف بدا فيها الحضور العربى ضعيفا، وبدا فيها أن مصر وكأنها تقف «منفردة» للحفاظ على أمن الأمة كلها، وأتذكر بعضا مما قاله الرئيس عبد الفتاح السيسي فى كلمته، تلك الكلمة التى تنسجم مع سياق غاية فى الدقة والتوصيف، مُعبّرة عن وضع عربى وإقليمى تشتد فيه رحى الحرب والصراعات والأزمات الداخلية المتتابعة، أتذكر حينما قال «منطقتنا تواجه تحديات معقدة، وظروفا غير مسبوقة، تتطلب منا جميعا -قادة وشعوبا- وقفة موحدة، وإرادة لا تلين.. وأن نكون على قلب رجل واحد، قولا وفعلا.. حفاظا على أمن أوطاننا، وصونا لحقوق ومقدرات شعوبنا الأبية».. وحينما قال أيضا: «فلنعمل معا على ترسيخ التعاون بيننا، ولنجعل من وحدتنا قوة، ومن تكاملنا نماء.. مؤمنين بأن شعوبنا العربية، تستحق غدا يليق بعظمة ماضيها، وبمجد حضارتها.. فلنمض بثبات وعزيمة، ولنجعل من هذه القمة، خطوة فاصلة، نحو غد أكثر إشراقا.. لوطننا العربى».
لقد قالت مصر كلمتها وتكررها وتجددها، وفى ظل الظروف الحالية وما يشهده الإقليم، بل والعالم كله وعندما أتذكر موقفها من تهجير الأشقاء الفلسطينيين ورفض مشروع ترامب، ومؤخرًا ما أعلنته للعالم أجمع بأنها ترفض الفيتو الأمريكى وتراه دائمًا فى غير محله، أراها تقف أمام موقف تاريخى يتجسد فى أنها تقف «منفردة» لمواجهة مخططات غاية فى الخطورة، وأنها تخوض «منفردة» مواجهات لا تخصها، بل تدفع فاتورة الدفاع عن شرف العرب جميعًا، بل وشرف المنطقة كلها، التى سقطت وما زالت يسقط عدد من دولها ومكوناتها، الأمر الذى يستلزم معه كثير من الوعى والتضحية وقليل من الأنانية والانسياق، للحفاظ عليها وحمايتها ليس فقط من قوى وتكتلات إقليمية، تشمل دولًا كبرى مجتمعة بمقدراتها وأموالها وأسلحتها وعلومها المتطورة؛ بل من «أقارب» يوجعهم كونها المدافع الأكبر والأوحد عن شرف الأمة، فيشاركون عمدًا أحيانًا وعن دون قصد أحيانا أخرى، فى محاولات إسقاطها أو إضعافها، حتى يتساوى الجميع فى السقوط والضعف.
ما حدث خلال الأيام الماضية.. ليس مجرد حرب، أو حتى صراع عسكرى مؤقت بين إسرائيل وإيران، بل أظنها محاولة ممنهجة مدفوعة بعقيدة تاريخية راسخة عنوانها «إما أنت ضعيف.. أو عدو»، ومفادها إنهاء أى قوة فى المنطقة تملك القدرة على الردع، أو مجرد التفكير فى امتلاك سلاح يمكن أن يهدد التفوق الإسرائيلى الصهيونى فى المنطقة والشرق برمته، أو حتى التفكير فى تكوين تحالف أو تقارب بين قوة وأخرى من شأنه أن يهدد مشروعها فى الهيمنة والانفراد بالقرار الأمني والعسكرى، بل والسياسى والاقتصادى فى الشرق الأوسط.. علينا أن ندرك كون المعركة الحقيقية يجب أن تكون ضد فكرة أن يكون فى المنطقة قوة واحدة هى إسرائيل، وهو ما يضع مسئولية كبيرة بل كبرى على دول تاريخية وذات قوة وثقل مثل مصر، تتجسد فى ضرورة أن تلتفت لنفسها وحالها خاصة وإن وجدت نفسها محتما عليها أن تبقى وحيدة ومنفردة، ففى هذه الحالة يصبح لها كل الحق فى أن تعيد ترتيب أهدافها وأولوياتها، وتضع أخرى جديدة لتحقيقها، وعلى رأسها أن يصبح هدفها الأول والأكبر هو الدفاع عن نفسها (شعبها وأرضها)، وليس عن المنطقة، لكن هذا لا يعنى أن تعيش فى عزلة بعيدًا عما يحدث حولها أو محيطها، لكنه كما قلت ترتيب أهداف وأولويات وفقا لما تتطلبه الضرورة.
وينسحب الأمر أيضا على الشعوب، ففى تلك الحالة تقع على عاتقهم مسئولية أكبر وأثقل، تتمثل فى إعادة صياغة علاقتهم بهذا المحيط الملتبس والمشتعل موجه الأغراض والأجندات، والحفاظ على صلابة وقوة وتماسك جبهتهم الداخلية، والدعم الوطنى المطلق للقيادة والدولة فى سياسات القيادة والإدارة، فهذا ما قاله لنا خبر التاريخ: «لا يسقط وطن مهما كان حجم التحديات والتهديدات الموجهة إليه إذا كان شعبه قد قرر رفض هذا السقوط».
ولقد كان الإدراك المبكر لدى الدولة المصرية إلى حتمية الوصول إلى مثل هذا الموقف التاريخى – أقصد وقوفها منفرده - ووصول المنطقة إلى «حافة الهاوية»، هو ما جعلها تحرص منذ سنوات مضت، على امتلاك «القدرة والقوة» بشكل يضمن لها الحفاظ على أمن وسلامة مقدرات شعبها، مستندة على وعى الشعب وتكاتفه واعتباره الضمانة الأساسية لتجاوز الأزمات الإقليمية والتهديدات المحيطة، مع الحفاظ على سياسات الاتزان الاستراتيجى، تجاه القضايا الدولية والإقليمية والتى تحددها محددات وطنية واضحة فى مقدمتها، مراعاة أبعاد الأمن القومى المصرى وأهدافه.
ولقد كانت مصر وستظل انطلاقا من مكانتها التاريخية وقوتها وتأثيرها الحالي، منفتحة فى علاقاتها الدولية الخارجية، طبقا لمدى استعداد الأخرين للتعاون وتحقيق مصالح الشعب المصرى، ومعتمدة الندية والالتزام والاحترام المتبادل وعدم التدخل فى الشئون الداخلية؛ مبادئ أساسية لسياساتها الخارجية ، وذلك انطلاقا من مبادئ السياسة الخارجية المصرية القائمة على دعم السلام والاستقرار فى المحيط الإقليمي والدولي ودعم مبدأ الاحترام المتبادل بين الدول والتمسك بمبادئ القانون الدولي واحترام العهود والمواثيق ودعم دور المنظمات الدولية وتعزيز التضامن بين الدول وكذلك الاهتمام بالبعد الاقتصادى للعلاقات الدولية، وعدم التدخل فى الشئون الداخلية للغير ومواصلة العمل على قبول الآخر والتعامل معه، شريطة ألا يفكر حتى مجرد التفكير فى التدخل فى شئونها الداخلية أو الجور على حق من حقوقها أو عملا من أعمال السيادة الخاصة بها، وقبل كل ذلك وبعده «عدم الجور والتعدى على مصالح شعبها».
الحمد لله على نعمة الجيش.. والحمد لله على نعمة مصر.