فى خطوة مفاجئة أنهت 12 يوما من المواجهات العسكرية بين إسرائيل وإيران، أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى الساعات الأولى من صباح الثلاثاء الماضى وقف إطلاق النار بين الجانبين، وذلك بعد أن نجح رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو فى جر الولايات المتحدة للانخراط العسكرى المباشر فى الحرب وقصف المنشآت النووية الإيرانية الثلاثة (فوردو ونطنز وأصفهان)، ما لاقى اعتراضات واسعة من الداخل الأمريكى الذى كان ممانعا لتورط الولايات المتحدة فى حرب إسرائيل العدوانية على إيران، الأمر الذى يحتمل أنه شكل ضغطا مؤثرا على الرئيس الأمريكى لوقف إطلاق النار.
وبينما أصرت الإدارة الأمريكية على أن الضربة ضد إيران كانت «دفاعية وضرورية»، رأى منتقدو ترامب أنها تشكل «تعديا واضحا على الدستور»، وتجاوزا لصلاحيات الرئيس باستخدام القوة العسكرية دون تفويض تشريعى، وأن تبعاتها لن تتوقف عند حدود الجغرافيا الإيرانية، بل قد تمتد إلى واشنطن نفسها عبر نقاشات عاصفة قد تعيد تشكيل العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
واعتبر نواب ديمقراطيون بارزون، أن قرار ترامب انتهك المادة الدستورية التى تحصر حق إعلان الحرب للكونجرس، مشددين على أن الرئيس الأمريكى «اتخذ خطوة خطيرة دون مشاورة البرلمان، أو تقديم مبررات واضحة».
وقال زعيم الأغلبية الديمقراطية فى مجلس الشيوخ، تشاك شومر، فى بيان رسمى: «لا يجوز لرئيس أن يجرّ البلاد إلى حرب بهذا الحجم دون موافقة الكونجرس، ما جرى تهور بلا استراتيجية ويُضعف من موقع أمريكا بدلًا من أن يعززه».
من جانبها، قالت النائبة الديمقراطية، ألكسندريا أوكاسيو كورتيز، إن هذا «يشكل أساسًا واضحًا لعزل الرئيس»، بينما أكد السيناتور الديمقراطى، تيم كاين، من ولاية فيرجينيا، أن الرأى العام الأمريكى «يعارض بأغلبية ساحقة شن الولايات المتحدة حربًا على إيران».
الرفض الأمريكى لاستهداف إدارة ترامب للمنشآت النووية الإيرانية لم يقتصر على منتقدى الرئيس الأمريكى بل أثار انقساما حادا حتى داخل معسكره، وبين أكثر مؤيديه الذين طالما تعهد لهم خلال حملته الانتخابية بإنهاء «الحروب الأبدية» التى وصفها بالمكلفة، والتى تُضعف تركيز أمريكا وتستنزف قدراتها.
وكتبت النائبة اليمينية مارجورى تايلور جرين، والموالية للرئيس ترامب فى رسالة نشرتها قبل الضربات الأمريكية المفاجئة: «فى كل مرة تكون فيها أمريكا على وشك العظمة، نتورط فى حرب أجنبية جديدة، لم تكن القنابل لتسقط على شعب إسرائيل لو لم يكن نتنياهو قد أسقط القنابل على شعب إيران أولاً، إسرائيل دولة تمتلك السلاح النووى، هذه ليست معركتنا، السلام هو الحل».
فى الوقت ذاته، اجتاحت موجة من الاحتجاجات المناهضة للحرب مدنًا أمريكية كبرى مثل نيويورك، وشيكاغو، وسان فرانسيسكو، وسان دييجو، وغيرها، عقب الضربة الامريكية على المنشآت النووية الإيرانية، حيث خرج المتظاهرون إلى الشوارع حاملين لافتات تدين تصرفات الولايات المتحدة وإسرائيل، وتدعو إلى وقف فورى لتصعيد الصراع، ووصف المتظاهرون الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بأنه «مجرم حرب»، متهمين إياه بانتهاك القانون الدولى، والتحريض على الحرب، وتهديد الاستقرار العالمى.
كما وقف فى الفريق المعارض للحرب كبار الساسة الأمريكيين من الحزبين الرئيسيين فى الولايات المتحدة (الديمقراطى والجمهورى) على حد سواء، بما فى ذلك الرئيس الأمريكى السابق بيل كلينتون، علاوة على تيار «ماجا، أو لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً» وهو التيار الرئيسى الذى وقف وراء نجاح ترامب فى العودة إلى البيت الأبيض، حيث شن ستيف بانون، كبير الاستراتيجيين السابق فى البيت الأبيض وأحد أبرز مهندسى تيار «ماجا»، حملة سياسية وإعلامية مضادة للتصعيد على إيران.
وقال بانون أمام حشد من الصحفيين، إن من الخطأ أن تتورط الولايات المتحدة فى عمل عسكرى مباشر على إيران، حاثًا الرئيس ترامب على التدقيق فى المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية، والتروى قبل التصعيد، متحدثا عن «الأزمة الاقتصادية والمالية فى أمريكا، والتراجع الصناعى، ثم أزمة المهاجرين، وتحدى صعود الصين كقوة عالمية، وترهل النخب السياسية الأمريكية، وتقاعس الأوروبيين».
واعتبر بانون الدخول فى مواجهة مع إيران لن يؤدى إلا لتفاقم هذه الأزمات؛ فى الوقت الذى يحتاج فيه الأمريكيون إلى إعادة بناء الداخل، وليس فتح جبهات خارجية، محذرًا من مخاطر الانصياع لما وصفه «جنون نتنياهو»، وسعى اللوبى الإسرائيلى إلى دفع الولايات المتحدة إلى حرب لا تخدم مصالحها.
وأشار كذلك، إلى أن الاندفاع نحو الحرب نابع من معلومات استخباراتية غير موثوقة، وفشل فى تقييم العواقب الاستراتيجية، قائلا: «الإسرائيليون يدّعون أن لديهم معلومات استخبارية، لا أفهم لماذا لا نزال نعتمد على جهاز استخبارات أخفق وفشل فشلا ذريعاً فى يوم 7 أكتوبر وفى واحدة من أسوأ الهفوات الاستخبارية منذ 11 سبتمبر».
وفى إطار انتقاد الصحف الأمريكية لانخراط الإدارة الأمريكية فى الحرب على إيران، علقت صحيفة «واشنطن بوست» فى افتتاحيتها على إعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ضرب المفاعلات النووية الإيرانية، بأنه لم يحضّر الأمريكيين للحرب مع إيران، وطالبته بأن يوضح ما الذى يريد تحقيقه من جر الولايات المتحدة إلى حرب جديدة فى الشرق الأوسط.
وقالت الصحيفة، إن ترامب ضلل العالم، بما فى ذلك الرأى العام الأمريكى، عندما اتخذ قرار الدخول إلى جانب إسرائيل فى حرب مع إيران، فى وقت كان يجب عليه كبح جماح رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو عن محاولة توسيع نطاق الصراع، مشددة على أن نتنياهو قد جر الولايات المتحدة بالفعل إلى هذه الحرب، وعلى ترامب ألا يسمح ل نتنياهو بإملاء شروط استكمالها.
كما أظهر استطلاع رأى أجرته مجلة «الإيكونوميست» بالتعاون مع يوجوف فى الفترة من 13 إلى 16 يونيو، استياء الأمريكيين من طريقة تعامل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مع القضايا المتعلقة بالدول المتحاربة.
وأعربت الأغلبية عن دعمها للمسار الدبلوماسى على استخدام القوة، حيث رأت أغلبية (56%) أن على الولايات المتحدة الدخول فى مفاوضات مع إيران بشأن برنامجها النووى، بما فى ذلك 58% من الديمقراطيين و61% من الجمهوريين وهو ما مثل انخفاضًا حادًا فى المعارضة مقارنةً بعام 2015، عندما عارض 32% من الأمريكيين وأبرزهم 52% من الجمهوريين المحادثات النووية خلال إدارة أوباما.
هذا الضغط الهائل من الداخل الأمريكى ربما يكون قد أجبر الرئيس ترامب، الذى كان يرغب فى استكمال الحرب حتى إسقاط النظام الإيرانى، على تحيّن الفرصة لإنهائه