بعد التوقف المريب لحرب الـ 12 يوما، التي دارت رحاها بين إيران و اسرائيل ، لم يكن ما تبقي لدينا من قناعات ومعلومات ووجهات نظر أو حتي انطباعات ، يمكن أن يكون ثابتا أو يتسم ببعض المنطقية ، نظرا لكون الظاهر في هذه الحرب غير الباطن ، وما كان يعلن من تفصيلات وتفاصيل ، كان يغلفها دهاء السياسة وخبثها وفظاظة المصالح وقبحها.
فلقد كانت الحقيقة في هذه الحرب الغريبة، أكثر تعقيدًا ودهاءً من تلك الصورة المرسومة والمصدرة لنا عبر الشاشات والفضاء الأزرق ، تلك الصورة التي لا تعكس بالضرورة ما يدور في غرف المفاوضات الخلفية أو في الصفقات السرية التي تحكم توازنات القوي، وما رأيناه من نهايات غريبة ومريبة ربما يرجح صحة هذا الطرح وتلك الظنون، التي تبقي معها عشرات الاستفهامات وعلامات التعجب، من كونها حربا بدأت فجأة وتوقفت فجأة ولا يعلم أحد من انتصر ومن انهزم ، حيث أن كل الأطراف فيها يعلن أنه انتصر وأنه كان الأقوي وسيظل ، ليبقي الخاسر الوحيد، هو ذلك الانسان العادي الذي تهرسه تروس آلات الحرب الموجهة والمدفوعة بأغراض هيمنة وتوسع وانتصارات شخصية ومجد سياسي بغيض.
إسرائيل التي كانت ولا تزال تعتبر إيران عدوها الأكبر – المعلن طبعا - ، ودخلت معها قبل أيام في حرب ضروس ، هي نفس الدولة وهو نفس العدو الذي كان في الثمانينات صديقا حميما وقدمت له المساعدة والعون عندما كان يحارب جارته العراق ، وقدمت له أكثر من 80% من السلاح الذي كان يحتاجه فيما عرف بعد ذلك بفضيحة « إيران كونترا»، التي تفجرت في أواخر عام 1986 ، فعبر تل أبيب باعت واشنطن سلاحًا لطهران لكي تواجه بغداد وجيش صدام حسين، مقابل استخدام نفوذها في إطلاق سراح مواطنين أمريكيين خطفوا وأخذوا كرهائن في لبنان من قبل ميليشيات شيعية موالية لإيران، أما الأسلحة التي زودت إدارة ريجان - الرئيس الأمريكي وقتها - إيران بها، فقد طالبت الإيرانيين بأسعار مرتفعة وحولت المبالغ الفائضة إلي قوات «الكونترا» التي كانت تحارب حكومة حركة «ساندينيستا» اليسارية الحاكمة في نيكاراجوا وقتها.
وليس ذلك فقط ما يمكن أن نسميه خلافًا وعداء في العلن ومصالح واتفاقات وصفقات في الخفاء فهذه إيران أيضا التي سمحت للقوات الإسرائيلية أن تستخدم أراضيها من أجل أن تضرب المفاعل النووي العراقي، كما أن الاعتذار الذي خرج به الرئيس الإيراني قبل أيام لدولة قطر وشعبها عن الضربة التي وجهها الجيش الإيراني إلي القاعدة الأمريكية العديد ردًا علي ضرب مفاعلاته النووية في فوردو ونطنز وأصفهان لم يكن إلا في إطار أيضا ما يعلن غير الذي يخفي ويتستر خلف ستائر السياسة وفي دهاليزها المظلمة، فهناك عداءات وخطط تحاك وتاريخ من التهديدات بين إيران وكل دول الخليج إلي أن وصل الأمر لاستخدام أمريكا ذلك فزاعة للخليج من أجل أن تبتزه وتستنفذ موارده وأمواله بحجة الدفاع عنه ضد الخطر الإيراني، كل هذا وأكثر يمكن أن يكمن بعيدًا عما نسميه «صفقة» تكشف بوضوح أن العداء الظاهري كان في كثير من الأوقات مجرد «ورقة» ضمن مفاوضات معقدة بين أطراف تعرف مصالحها جيدًا، وهذا بالطبع ليس مستغربًا ففي السياسة ليس هناك عدو دائم ولا صديق دائم، وهي في أمورها الكلية لا تقوم دائمًا علي ثنائية العدو والصديق، بل علي معادلات المصالح وتوازنات القوة.
لذلك من الضروري أن يبقي في أذهاننا أمر راسخ لا شك فيه ولا حتي مبالغة، وهو أن صراع القوي في العالم وفي المنطقة علي وجه الخصوص يسير علي ذلك النهج وبتلك الطريقة وهذا الأسلوب، فالمصالح تتصالح والقوة لا تقبل بغيرها ولا تفهم غير لغتها، والقوي لا تقبل أن يزاحمها أحد، فهي تتغذي وتعيش علي كونها مسيطرة ومنفردة ووحيدة، وصراع القوي بين إيران الممثلة لأحلام الإمبراطورية الفارسية، في مواجهة إسرائيل وأحلامها التوسعية ومخططات الصهيونية العالمية وفوقهما الشيطان الأكبر «أمريكا»، الذي يظهر وكأنه لاعب ماريونيت يمسك خيوط كل القطع ويحركها كيفما يشاء من أجل متعته الخاصة فقط، هذا الصراع لن يتوقف والظاهر فيه ليس كالباطن علي الإطلاق، ومع تلك الحالة الكونية المصطنعة والمخلقة بمعرفة بشر أشرار لا يقدرون الإنسانية ولا حتي يعترفون بأهمية كونك إنسان تريد أن تعيش في سلام وهو أبسط حقوقك علي الأرض، تتجلي الأهمية القصوي لامتلاك كل مقومات القوة حتي تتمكن من العيش بسلام وفي سلام، متقبل قدر أن تكون في منطقة محفوفة دائما بالمخاطر ومحل طمع دائم ومستمر من كل الأشرار.
وأبسط مقومات تلك القوة أن تكون علي وعي كاف بما يحدث حولك، فاهمًا وواعيًا لما يتم ويدبر ويخطط له في الكواليس والخفاء وخلف الستائر، علي مدار التاريخ وألا تنخدع فيما يبدو ظاهرًا لك محاولا الوصول إلي بعض من أعماق وخبايا ما يظهر وما يبدو معلنا حتي تفهم الصورة كاملة وقراءة بعض من سير التاريخ وفهم أخباره يساعد في ذلك كثيرًا فذلك الأسلوب وتلك الطريقة ليست جديدة وإنما تستعملها كل القوي المتغطرسة والامبراطوريات التي أوهمتها القوة المفرطة أنها تستطيع أن تفعل ما تشاء، في من تشاء، وقت ما تشاء، والإمبراطورية البريطانية التي كانت تظن أن الشمس لن تغيب عنها «مثالا تاريخيا» علي ذلك، فلقد انتهجت ذلك الأسلوب أيضا وبالطبع أصابتها أمراض القوة وأوهامها، ولدغت مصر بعضًا من «حياتها» وزرعت فينا وبيننا بعضا من بذور الشر، فيما عرف باسم «الإخوان المسلمين» فلقد كانت بريطانيا تريد أن تملأ فراغ العثمانيين المنهزمين، وفي نفس الوقت تحكم سيطرتها أكثر علي المنطقة، فزرعت تلك «الجماعة» التي طلت علينا بعداء شرس «ظاهريًا» طبعا، للإنجليز وهم في الخفاء أداته وصنيعته، التي كبرت وتوحشت وتوغلت حتي استفحلت وكادت تلتهم الوطن كله.
فمنذ أن ظهرت الجماعة الإرهابية، وحتي صعدت إلي سدة الحكم، وهي متمسكة ومحافظة علي نفس الطريقة التي انشأت بها وهي العداء الظاهر وفي الخفاء الاتفاق الكامل والتوافق المطلق والتنفيذ الأعمي، فلقد كانت تعلن العداء والكره الكامل لأمريكا وإسرائيل وفي الخفاء كما علمنا وانكشف لنا كل شيء، كانت تنفذ مخططا أمريكيا في شرق أوسط جديد، وتسعي لتنفيذ حلم الصهاينة في إزاحة الفلسطينيين ومن ثم الدخول ورائهم حتي كامل سيناء، و كانت أيضًا تعلن حرصها الشديد علي مصالح المصريين والوطن المصري وأرضه وترابه وشعبه وفي الخفاء، يعملون بقناعة «طز» التي انفلتت وانكشفت في أحد الأحاديث الشهيرة لواحد من مرشديهم، ثم خرجوا جميعا بالسلاح في وجه مصر والمصريين، دون اعتبار لحرمة الدم الواحد، معتبرين أن دماءهم التي هي دماء الجماعة والعشيرة غير مستباحة
ولا مباحة، وأي دماء أخري فهي والماء سواء.
ولكن وكما قلت الوعي والقدرة علي القراءة السليمة لمعطيات التاريخ وأخباره هي الضمانه الأهم والأكبر للنجاح في مواجهة مثل هذا الزيف المطلق والموجة لتحقيق أهداف غاية في الخطورة، وعلي تلك القاعدة تكونت عقيدة رجال شرفاء، فهموا ووعوا لحقيقة ما يحدث ولم ينخدعوا بظاهر ما كان يعلن، ويعرفون بواطن وخفايا ما كان مستترًا، وقرروا أن يتحركوا ويصونوا الدماء المصرية ويفضحوا كل هذا المخطط ويقفوا حجر عسرة في طريق تحقيقه.
وقد كان.. خرج أبناء مصر معلنيين تمردهم ورفضهم الزيف الإخواني، وكاشفين لخبثه ودناءته، وفي ظهرهم جيش وطني شريف يعرفه التاريخ جيدًا ويعرفه كل «الأندال»، والذين انتحبوا علي أسنة رماحه وسنون سيوفه وتحت تروس دباباته «الجيش المصري».. وكانت «ثورة 30 يونيو» التي نحتفل بذكراها غدًا.. تلك الثورة التي قالت للعالم كله إن علي هذه الأرض شعبًا واع لا ينخدع، وفي ظهره جيش قوي وطني وشريف يدافع
ولا يعتدي.. ثورة قالت للجميع: «هنا مصر».
حفظ الله الجيش .. حفظ الله الوطن