محنة الحياة الدنيا

محنة الحياة الدنيانسيم الهواري

الرأى3-7-2025 | 20:52

لا تَكُفُّ الحياة الدنيا عن قتل قلوبنا بشرورها وجرح أرواحنا بغرابة أحوالها، ولا ترعوي عن أن تكشف عن وجهها القبيح في كل آنٍ بما يثير في نفوسنا ذلك العجب الذي يُميت القلوب ويشغل الأفهام ويكثر الأحزان.

وأيُّ عجبٍ أعجب من أن يُصدَّق الكاذبون ويُكذَّب الصادقون، ويُؤتمن الخائنون ويُخوَّن الأمناء، ولا يُسمع إلا للرويبضات، فهم وحدهم ذوو العقول والأفهام، وهم دون غيرهم أرباب النُّهى والأحلام، وهم ولا أحد سواهم، القادرون على إنجاز الأمور الجسام.

وأيُّ عجبٍ أعجب من أن يُلام المقهورون على صراخهم في وجه من يتولى قهرهم، ومن أن يُعاقب المظلومون على عبراتهم التي تذرفها قلوبهم قبل مآقيهم، ف المقهورون لا يحق لهم الصراخ، و المظلومون ينبغي لهم يكتموا العبرات، حتى لا يفسدوا على السادة الطغاة حياتهم ولا يُكَدِّروا صفو نعيم عيشهم.

فإذا صَرَفْتَ نظرك وقلبك عن هذا العالم وما فيه ومَن فيه، وتأملت في حالك مع دنياك، وجدت أن لك معها شأنًا عجيبًا، فما تتوق نفسك إلى شيءٍ منها إلا وجدت فاجرًا قد سبقك إليه، وأنت إذا أحببتها خشيت عليها، وإذا خشيت عليها خشيت منها، فأنت تشقى بها، وتشقى لها، ولا تكاد تطالع حادثةً من حوادث الدهر، إلا خُيِّل إليك أن التعاسة قد تركت الناس جميعًا وأقبلت عليك وحدك.

والأمر على شدته وعجبه شديد الهوان؛ إذا أنت استقبلت العالم بنفسٍ واسعةٍ؛ فترى حقائق السرور تزيد وتتسع، وترى حقائق الهموم تنقص وتضيق، وأن دنياك إذا ضاقت في قلبك وعينك، فإنما الضيق هو أنت.. لا هي.

إنَّ لهذا العالم ربًّا خالقًا هو مالكه، لا يحدث فيه شيءٌ إلا بأمره، وقد أمر الله هذا العالم ألا يعبس للقلب المبتسم، والإيمان الصحيح بهذا الخالق العظيم هو بشاشة الروح وإعطاء الله الرضا من القلب ثقةً بوعده ورجاءً لما عنده، ومن الثقة والرجاء يتولد الاطمئنان الذي قال الله عز وجل عن سبيل الوصول إليه: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

أما عن الظالمين والكاذبين والخائنين والرويبضات، فلتعلم أن هؤلاء جميعًا ما هم إلا شياطين ملعونون، وقد عاقبهم الله بأن خلقهم في جلد آدميين، فهم مطرودون من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وأن نهايتهم آتية لا محالة، فهم بلا شك مدحورين وعن قريب مهزومين.

أما عن دموع المظلومين وأنَّاتهم، فلتعلم أن دموعهم تلك تُضاف إلى بناء حياتهم فيشتد، وتنقص من بناء حياة ظالميهم فينهد، ف المظلومون يحيون بدموعهم، بينما يموت ظالموهم بها.

ودموع المظلومين هي في أعينهم دموع، ولكنها في يد الله صواعق يحرق بها الظالمين، ولو بعد حين.

وقد قضى قانون الحياة وأثبتت صفحات التاريخ أنَّ النصر المؤزر يكون لمن لديه القدرة على تحمل الضربات، لا لمن لديه الجرأة على أن يقوم بتلك الضربات.

أما عنك أنت فإني أقول لك: إذا لم تكن قادرًا على أن تنال ما تصبو إليه نفسك، فلتكن قادرًا على على أن تصرف نفسك عما قطعت عنك أسباب نيله، فإن الغاية المشتركة بين القدرة على تحصيل ما تريد، والقدرة على أن تصرف نفسك عما قُطعت عنك أسباب نيله، هي الرضا.

واعلم أن طبع هذه الدنيا هو أنها لا يمكن لها أن ترضيك كُلما أحببت ولا بكل ما تحب، ولكن الممكن والمستطاع هو أن ترضى أنت بما هو ممكن.

واعلم أنه ما من قُفل إلا وله مفتاح، فإن لم يكن له مفتاح فما هو بقفل، و الله تعالى قد جعل الهموم مقدمات لنِعَمٍ عظيمة مخبوءة، فاصبر واحتسب.

وإذا أردت أن تقطع هذه المفازة من الدنيا سالما ناجيا فلتترفق بصبرك فلا تجهده، ولتترفق بدمعك فلا تفنه، فإنهما زادك وماؤك في رحلتك الطويلة المجهدة.

الثقة ب الله هي أزكى أمل، والتوكل عليه هو أوفى عمل.. سل الله أن يحبك حُبًّا تتجاوز به الحياة حتى تنتهي بك وهو راضٍ عنك.. سله أن يُعظِّم الرضا في صدرك، و اليقين في قلبك؛ فتغدو الأمور الشديدة هينةً عليك.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان