إن حقيقة حب الوطن قد لا يُدركها الكثيرون إدراكاً صحيحاً ، فليست كما يظنون أشعاراً وشعارات ، ألحاناً وأغنيات ، لافتات وهتافات ، بل إن الحب الحقيقى للوطن هو ذلك الحب الذى يُبنى على إعتقاد جازم راسخ بأنه من الدين ، وهذا ما يجب ترسيخه فى وجدان الأجيال القادمة بمشيئة الله و التى نشأت على ثقافة غريبة على ثقافتنا وعادات غير عاداتنا وتقاليد ليست من تقاليدنا ، ويُرجِع الكثير ذلك للتقدم التكنولوجى بمخرجاته العديدة ، ولكن السبب الحقيقى يكمن فى غياب القدوة والأخلاق والمُثل المجتمعية .
إنَّ الحب الحقيقى للوطن يظهر جلياً فى :
أولاً: الإيمان الكامل بحقيقة حب الوطن وأنه من الإيمان الفطرى لدى الإنسان السوى
الذى يحرص على دوام علو مكانته، والعمل الدؤوب الجاد فى كافة المناحى لزيادة الإنتاجية ليعم الخير كل أنحاء الوطن .
ثانياً: لكى نحقق حباً حقيقياً للوطن لابد لنا أن نكون دعاة حب وخير وسلام وأمن وأمان ، وأن نتجنب كل مايدعوا الى الشر والفساد وامتهان الوطن وأبناؤه ومقدراته ،حيث أن تجفيف منابع الفساد ووأد الفتن ، ودرء الشبهات و الشائعات لأن ذلك هو السبيل الى صناعة الرجال الحقيقيين المحبين لدينهم المدافعين عن أوطانهم بإخلاص وصدق وعزيمة.
ثالثاً: السعى نحو نشر عوامل المودة والإخاء والألفة المجتمعية بين أبناء الوطن على أساس تحقيق أهداف إنتماء وطنى صادق بعيد كل البعد عن أية مساومات، أو مزايدات، أو مشاحنات أو مهاترات، ، إنتماءاً حقيقياً لا يقبل أى أمر يؤثر على سلامة الوطن مهما كانت التحديات أو قوة مُصدرى هذه التحديات ، فإذا ما حاولت أى قوة المساس بوطننا وأمنه ، إذا بهؤلاء المنتمين للوطن ينتفضون دفاعاً وصداً بقوة وجسارة لحماية الوطن ومقدراته .
رابعاً: لابد من أن يكون كل فرد من أبناء الوطن على حذر شديد من كيد المتربصين ومكرهم وتحدياتهم وخداعهم، ومحاولتهم المستميتة لاختراق الداخل ، وبث سموم الفتن والشبهات وترويج الشائعات على المنصات لتأجيج العداوات بين طوائف الشعب المختلفة ، لا يجب أن ننسى ما رأيناه و شاهدناه وعايشناه ، ولكننا وبفضل الله استطعنا تجاوزه والقضاء عليه .
و الحب الذى نأمله للوطن ليس ذلك الذى يدّعيه الكثيرين وهذا الحب المُدّعى لا يُصدقه المتعقلون ،إذ أنهم يتسائلون ، هل من الوطنية والانتماء الحقيقى الجاد ،حُبّ إشاعة الفوضى فى المجتمعات التى يعيشون فيها ،بل هل من الوطنية الصادقة إغراق المجتمع بهذا الكم من الشائعات التى تهدُف الى زعزعة الإستقرار ، وهل من حب الوطن محاولاتهم تغييب الوعى الجمعى ببث عوامل الفرقة بين أبناء الوطن ، إنّما الحب الذى نرجوه هو الحب الحقيقى الذى يتبرأ من كل هذه المظاهر التى يدّعونها .
فمفهوم حب الوطن هو تلك العقيدة الراسخة الداعية الى وطن قوى ومجتمعاً راقياً يعمه الأمن والاستقرار والسلام بقيادة واعية مستنيرة .
فليس الوطن مكان للإقامة فقط ،إنما الوطن هو المكان الذى نسكنه ويسكننا ونقيم فيه ويقوم فينا ، هو ذاك الملاذ الآمن الذى تأوي إليه أرواحنا، وذاك الحصن الذي يجمعنا منذ أن كنا صغاراً فكبرنا بين جنباته وعشنا أجمل الايام فيه وبين أزقته وشوارعه ،فالبشر بلا أوطان كالطيور بلا مأوى من أوكار و أعشاش .
إن حب الوطن هو إنكار للذات، ولاء وانتماء ،بلا أنانية ولا مصالح شخصية ، حب الوطن قيماً سامية و تضحيات عظيمة تدل على عظمة الوطن ورونق محبينه .
وهذا هو الحب الصادق الخالص، النابع من ضمير وطنى تربى على خيره ، ليس ادعاءاً مؤقتاً لنيل مصالح ومطامع شخصية أو نهجاً لتحقيق أهداف ذاتية، فهؤلاء المحبين ليسوا من أصحاب الشعارات الجوفاء التى فى ظاهرها حب و ولاء وفى باطنها منافع ومكاسب ، والحب الذى نرجوه هو ذاك المُفعم بالانتماء والعمل على تحقيق أهدافه وامال شعبه و نشر المحبة والوئام والسلام فى كل شبر من أراضيه ونشر التعايش السلمى بين أبنائه والتضحية في سبيل أمنه وأمانه ، ذلك الحب الذى ينصر المظلوم وينبذ مظاهر التسلط والعدوانية ذاك الحب الذى يُمارس فيه إعمال القانون فى محاسبة كل مقصر وفاسد ، لغلق كل المنافذ والثغرات أمام كل حاقد متربص يريد السوء والشرور للوطن وأهله .
و هذا الحب لا يجب أن يمنعنا من وأد الشللية فالوطن للجميع ،ذلك الحب دوماً ما يكون خير معين على توقد الوطنية فى القلوب ، فليس هناك وطن بدون مواطن مُحب مخلص .
وهناك فارق كبير من يحب الوطن فى الرخاء ويتركه عند الشدة ، وهناك من يعملون من أجل مصالحهم وأموالهم ومناصبهم ، وبين من يحب بصدق وإخلاص وتفان فهؤلاء مستعدون دائماً أبداً للتضحية بكل شيئ من أجل الوطن، أما أصحاب المصالح عند الشدائد والأزمات يفرون ويهربون ويُهاجمون بل إنهم مستعدون على التضحية بكل شيئ من أجل مصالحهم ، وهذا ما نراه بين الحين والحين وتتألم قلوبنا من صنيع هؤلاء الذى أكلوا خيره وأنكروه .
فالوطنية الحقيقة طاقات بناءة قلوب المخلصين ومما لا شك فيه أن هذا الإحساس هو ما يقوم عليه ازدهار ونماء الوطن ويحافظ على دوام تطوره رغم أى تحديات أو عوائق
فجميعنا يعلم أن الحب على مستوى الأفراد يصنع المعجزات فكيف صنيعه لو كان جماعياً ، فالحب طاقات فاعلة هائلة و على قدر نشر المحبة والوئام فى المجتمع سوف يعم الود و ينتشر السلام وتعود الريادة والتماسك ، فاللهم جنب بلادنا عبث العابثين واستهتار المستهترين وإفساد المفسدين ، واحفظ مصر وشعبها وقادتها ومقدراتها .