كلما اقتربت ضغوط التهجير القسري لأهالي غزة نحو الحدود المصرية، بدت القاهرة أكثر تمسكًا بسيادتها ورفضًا لمشاريع إعادة تدوير "صفقة القرن" بنسختها الجديدة.. يحدث هذا على الرغم من محاولات أمريكية وإسرائيلية لإدخال مصر فى مساومات جيوسياسية حساسة، لكن القاهرة تفضل سياسة الممانعة الهادئة، والإدارة الحكيمة لملفات أمنها القومي، ولا تذعن أو تضعف أمام ابتزاز إعلام "إخوانى" معاد يروج لادعاءات عن عزلة مصرية فى المواقف الإقليمية، والمؤسف أن هذه التخرصات تأتى فى الوقت الذى لا تزال فيه مصر هى الرقم الصعب فى أي معادلة تسوية كبرى بالمنطقة، والسبب أن مصر لا تُدار من موقع التبعية، بل من مركز القوة والثقة، وتؤكد كل يوم على استقلالية قرارها السيادي فى ملفات مصيرية مثل تهجير سكان غزة وأزمة سد النهضة.
وتزامنت خلال الأسبوع الماضي تحركات لافتة تضع السياسة المصرية فى قلب الصراع الإقليمي متعدد الأبعاد، فقد أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب عن نيته فى حل أزمة سد النهضة، باعتبارها قضية "حياة أو موت" للمصريين، بينما تجدد الحديث والشحن الإسرائيلى ضد توقف الرحلات الجوية للقوة متعددة الجنسيات (MFO) فوق (المنطقة ج) من سيناء، وسط اتهامات إسرائيلية لمصر بنقل معدات عسكرية إلى رفح دون تنسيق.. والقراءة السطحية قد تفصل بين الملفات السابقة، لكن التوقيت والملابسات تكشف عن ارتباطها فى إطار مناورات واشنطن وتل أبيب المستمرة، واستمرار الضغوط المتعددة على القاهرة - وأبرزها الأمن المائي و سيناء - لتمرير الصفقة الكبرى، صفقة القرن فى إصدارها الثانى.
مصر وفى خطوة حاسمة، رفضت السماح لمفتشي (MFO) بالوصول إلى الأنفاق فى سيناء، ومنعت استئناف رحلات المراقبة الجوية الأمريكية، مؤكدة على موقفها بشأن إعادة ترتيب قواعد السيادة فى سيناء، لا سيما أن نشر القوات فى شبه الجزيرة جاء كأمر واقع، ثم أُخطر به الجانب الإسرائيلي لاحقًا، لقد استخدمت القاهرة أدواتها لفرض هذا الواقع – كما تفعل إسرائيل دومًا – وفعلت ذلك من موقع سيادي وليس عدائيا، وفى إطار احترامها لاتفاقية كامب ديفيد دون أن تكون رهينةً لبنود أمنية انتهى زمانها.
.. وما بين غزة و سيناء وسد النهضة، تتحرك مصر على خريطة معقدة بثقة وثبات، وهي إذ ترفض التهديدات والضغوط، فإنها فى ذات الوقت تُصر على ألا تكون جزءًا من أي مشروع يهدد أمنها أو يُفرغ سيادتها من مضمونها.
ويأتى هذا فى عالم تتغير فيه التحالفات، وتُعاد هندسة الإقليم سياسيًا واقتصاديًا، لكن تُبقي بوصلة المصريين واضحة: القرار يُتخذ فى القاهرة فقط، وتحت هذه المظلة تتوازن العلاقات وتُفعّل الشراكات بين الشرق والغرب، وتظل الرسالة المصرية واضحة: لا مقايضة على حساب الأمن القومي وملفات مثل غزة و سد النهضة والعلاقات الدولية لا تُدار بمنطق المقايضة.. مصر ليست لاعبًا تابعًا فى مشروع "شرق أوسط جديد".