ما أن تم اعلان نتيجة الثانوية العامة ، وكعادة كل عام ، شخصت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ، وسادت حالة من الذهول في أوساط بعض الأسر المصرية ، ليس بسبب رسوب الابن أو البنت في مادة ، بل بسبب درجة أو درجتين أو ثلاث تحول دون التحاق ذلك الطالب أو تلك الطالبة بمايسمي مجازا( كليات القمة )!!! ، فأي قمة تلك المقصودة ؟ وهل تضمن حينما يصل ابنك أو ابنتك لتلك القمة ألا يهوي الي القاع وينهار مستقبله أو مستقبلها لأسباب عديدة ، من بينها المكونات العقلية والنفسية والميول والرغبات والقدرة علي التحصيل في مناهج تختلف تماما عما درسه الطالب في المرحلة الثانوية ؟!
حينما ظهرت نتيجة الثانوية العامة ، فوجئنا بأسر تنهار وتهطل دموعها أنهارا بسبب أن ابنها لم يوفق في الحصول علي المجموع الذي يؤهله لدخول كلية الطب !! وكأن جميع خريجي الطب سيصبحون مثل الجراح العالمي الفذ مجدي يعقوب !! وهذا طالب كاد يقدم علي الانتحار لأنه لن يتمكن من الالتحاق بكلية الهندسة !! وكأنه لو أصبح مهندسا ، فسيحقق كل أحلامه وأحلام أسرته في الحياة وستنهال عليه الأموال من كل صوب وحدب!! . عشنا سنوات في وهم اسمه كليات القمة !! .
انظر حولك لتجد أعظم العلماء والمفكرين والمخترعين ، بل وكبار الأدباء والكتاب والصحفيين حول العالم ، لم يتخرجوا من تلك الكليات المزعومة !! .
يروي أن فتاتين كانتا مرتبطتين بصداقة قوية.. لاتفترقان أبدا . حصلت إحداهما علي مجموع عال في الثانوية العامة فدونت رغبتها في استمارة مكتب التنسيق كلية الطب ، أما الأخري فاختارت الالتحاق بكلية الآداب. وفور ظهور نتيجة التنسيق ، إذ بطالبة الطب تلغي صداقتها علي مواقع التواصل الاجتماعي بأعز صديقة لها بحجة أنها أصبحت في كادر الأطباء !! وأن علاقاتها ستقتصر فقط علي زملاء وزميلات كليات الطب !. ومرت السنون ، وأصبحت طالبة الأداب معيدة بالكلية وسجلت لدرجة الماجستير ، بينما صديقتها السابقة لاتزال متعثرة في الدراسة ب كلية الطب ولم تتخرج بعد !!
وهكذا الحياة لا علاقة لها بالمؤهلات ، بل بالعزيمة والإصرار علي النجاح في أي مجال من المجالات . عادات وتقاليد اجتماعية بالية ومفاهيم وأفكار عفي عليها الزمن ولم تعد صالحة في عصرنا الحاضر ، لكن الغالبية العظمي في مصر ومعظم الدول العربية لاتزال تعيش في وهم اسمه كليات القمة ، وتندب حظها وتلطم خدودها اذا لم يلتحق ابنها أو بنتها بالطب أو الصيدلة أو الهندسة ، ولو نظروا حولهم لرأوا الآلاف من خريجي تلك الكليات يعيشون في ضنك ولا يستطيعون مواجهة أعباء الحياة ، بينما غيرهم رضوا بما قسم الله لهم وحققوا نجاحات هائلة . فالنجاح لا يرتبط بمعيار واحد بل هو عملية ديناميكية متشعبة الجوانب ، ترتكز علي همة الشخص وإصراره وإخلاصه وعزمه علي تحقيق هدفه مهما كانت العوائق والصعاب .