الخلايا النائمة.. رصاص بلا صوت

ما إن أعلنت وزارة الداخلية فى بيان رسمي لها عن عملية استباقية استطاعت فيها القضاء على إحدى الخلايا التابعة لحركة " حسم "الإرهابية، فى عملية نوعية شديدة الاحترافية قبل قيام عناصر الحركة بتنفيذ عمليات تستهدف التأثير على الأمن والاستقرار ومحاولة من جانب التنظيم الإرهابي (الإخوان) لتقديم صورة للعالم تستطيع بها التأثير على السياحة فى مصر، بعد أن شهدت خلال الفترة الأخيرة ارتفاعًا غير مسبوق؛ بالإضافة إلى زيادة تحويلات المصريين بالخارج، مما ساهم فى زيادة حجم الموارد من النقد الأجنبي وساعد فى قدرة الدولة على مواجهة الانخفاض الذي بلغ 7 مليارات دولار من دخل قناة السويس بسبب الأحداث والاضطرابات فى جنوب البحر الأحمر.

قدرة الدولة المصرية على التعافي رغم التحديات، وتحمل الشعب آثار الإجراءات المتخذة من قِبل الحكومة لمواجهة هذه التحديات، جعلت قوى الشر تعمل على تصدير الشائعات لتقديم مشهد مضطرب يؤثر على ثقة الشعب فى النظام.

الأمر الذي دفعها لإيقاظ خلاياها النائمة، المسلحة منها وغير المسلحة، ودعوني أؤكد لكم أن الخلايا المسلحة لن تستطيع أن تنال من الدولة المصرية بإذن الله طالما هناك رجال فى مؤسسات الدولة يعملون ليل نهار دون كلل أو ملل من أجل الحفاظ على مقدرات هذا الوطن وحياة مواطنيه.

فأجهزة المعلومات والأجهزة الأمنية التي لا تألو جهدًا أو تتوقف لحظة واحدة عن متابعة عناصر التنظيم الإرهابي، واختراق خلاياه، جعلت من هذا الوطن واحة للأمن والاستقرار فى محيط مضطرب، فقدِم إليه أكثر من 10 ملايين شخص فارين من نيران الحروب والصراعات فى أوطانهم باحثين عن الأمن والاستقرار فى مصر.

ففى الوقت الذي ظنت فيه قوى الشر وأذرعها من التنظيمات الإرهابية وأدواتها من الأجنحة المسلحة لتلك التنظيمات، أن الأجهزة الأمنية منشغلة بضبط المشهد الأمني ومتابعة كل ما ينشر على السوشيال ميديا وضبط المخالفين والخارجين عن القانون، كانت العناصر الإرهابية المسلحة تتحرك ظنًا منها أنها بعيدة عن نظر الأجهزة الأمنية وأجهزة المعلومات.

لكن النسور كانوا لهم بالمرصاد، وفى اللحظة والتوقيت المناسب كان الانقضاض والمواجهة مع كل مَن تسوّل له نفسه النَّيل من أمن هذا الوطن.

(1)
تذكرت عام 2018 خلال حديثي مع مسئول بأحد أجهزة المعلومات عن عملية قامت بها عناصر من التنظيم الإرهابي عام 2015، حيث رصد كونتينر ضمن حمولة إحدى السفن خرجت من ميناء "سامسون" على البحر الأسود، متجهة إلى ميناء نويبع، الذي كانت أجهزة الكشف به معطلة فى ذلك الوقت، وتم خروج الكونتينر وكان به 20 طنًا من مادة TNT شديدة الانفجار، ظن هؤلاء أن أجهزة الدولة المصرية لا ترصدهم منذ خروج الشحنة من ميناء "سامسون" وحتى وصولها ميناء نويبع، لكن الأجهزة الأمنية وأجهزة المعلومات كانت تتابع الأمر لحظة بلحظة لتعرف أين تتجه ولمن ستصل الشحنة خاصة أن الشحنة ضخمة وكانت فى ذلك الوقت عملية مكافحة الإرهاب فى سيناء قد بلغت ذروتها.

تم تحميل "الكونتينر" على إحدى سيارات النقل "تريلا" واتجهت جنوبًا إلى شرم الشيخ ثم اتجهت إلى الشمال وتمت إجراءات التفتيش العادية دون أن يدرك مرافقو الحمولة رصد كل تحركاتهم واتصالاتهم.

عبرت الحمولة نفق الشهيد أحمد حمدي ثم اتجهت شمالاً إلى بورسعيد ثم إلى الطريق الدولي الساحلي مرورًا بدمياط باتجاه الإسكندرية ثم اتجهت الحمولة إلى الغرب باتجاه السلوم، وهناك تم القبض عليها واتخاذ الإجراءات القانونية مع الأشخاص الثلاثة المتواجدين بالسيارة.

لم تكن عملية متابعة تحرك هذه الشحنة بالأمر السهل، خاصة أنها كمية ضخمة من المتفجرات حال تفجيرها ستفنى مدينة بأكملها، لكن الأجهزة الأمنية أيضًا كانت تبحث عن وجهة تلك الكمية الضخمة، وفى الوقت المناسب تم القبض عليهم، ومصادرة الشحنة، وخلال إجراءات التحقيق كشف المتهمون عن تفاصيل كثيرة استفادت منها أجهزة المعلومات.

إنهم رجال يعملون فى صمت من أجل الحفاظ على أمن واستقرار الوطن.

(2)
أما الخلايا النائمة غير المسلحة والأكثر خطرًا لوجودها بين المواطنين ويصعب تمييزهم، فهي تستهدف نشر الشائعات وخلق حالة من عدم الرضا المجتمعي على أداء النظام، بهدف الضغط على الدولة، والانقضاض عليها من الداخل.

خلال الفترة الأخيرة ارتفعت وتيرة تصدير الشائعات، ونشطت الخلايا النائمة فى الداخل متفاعلة مع ما ينشره كوادر التنظيم الإرهابي فى الخارج عبر منصات التواصل الاجتماعي.

البعض منهم حاول التشكيك فى بيان وزارة الداخلية، وقام بتحليل الفيديو الذي تم بثه مع البيان المكتوب، ثم سرعان ما عدل وجهته بعد أن فشل فى التشكيك بالعملية التي زعم أنها تستهدف إلهاء المواطنين، ليكشف عن خُبث مراده بعدها بيوم واحد، موجهًا رسالة أعدت له كي ينشرها على صفحته، وتتناقلها العناصر، موجهًا إياها للأمين العام للأمم المتحدة، تحت زعم انتهاك حقوق الإنسان، وهي الورقة التي يتشدقون بها كما يفعل الغرب.

ثم استغلت الخلايا النائمة حالة عدم الرضا الشعبي عن تطورات الأوضاع فى قطاع غزة وما تقوم به قوات الاحتلال من عمليات إبادة جماعية للشعب الفلسطينى، وعمليات تجويع ممنهجة؛ لتتحدث الخلايا النائمة كذبا موجهة سهامها المسمومة إلى عقول المواطنين وترسم خططا للدفع بهم نحو الاحتكاك بالنظام أو صناعة الأزمات.
إن نشاط الخلايا النائمة للتنظيمات الإرهابية خلال الفترة الحالية يستهدف إطلال تلك التنظيمات من جديد، والتي استطاع الشعب بوعيه وإدراكه إزاحتها واسترداد وطنه.
ففى زمن أصبحت فيه المعلومة سلاحًا، لم تعد الحروب تُخاض فقط على الأرض، بل أيضًا فى العقول.

واحدة من أخطر المعارك التي تشهدها المجتمعات الحديثة اليوم هي محاولات ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وهي معركة لا تُدار بالرصاص، بل بـ"تزييف الوعي" و"استغلال الأزمات".

إنها واحدة من أخطر الحروب ضد المجتمعات، ولست مُبالغًا فى ذلك كونها الأكثر تأثيرًا على الروح المعنوية للمواطن وهو ما يؤثر بشكل مباشر على المقاتلين فى الصفوف الأمامية.

فالعدو الجديد هو خلق حالة الفوضى الناعمة، فلم تعد المواجهة مع العدو الخارجي تأخذ الشكل التقليدي، بل باتت ترتدي ثوبًا رقميًا، إعلاميًا، ناعمًا، فتغيرت الأدوات لتشمل( شائعة مدروسة، تدوينة مضللة، فيديو مفبرك، تحليل مسيّس يُروّج على أنه رأي محايد).

كل ذلك يُدار من غرف عمليات عابرة للحدود تستهدف تفكيك العلاقة بين المواطن ودولته، وزرع بذور الشك فى أي جهد وطني، مهما بلغت أهميتُه، وشفافية النظام.
لا يتوانى العدو، خارجيًا كان أو داخليًا (الخلايا النائمة)، عن استغلال الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية لتأليب الرأي العام، فى ظل الأزمات، ليعمل على تضخيم الأخطاء، التقليل من الإنجازات، تشويه دور الدولة، وتُقدّم البدائل الوهمية على أنها "الخلاص الحقيقي".

إنها محاولة منظّمة لصناعة حالة من السخط العام تدفع المواطن للانسحاب من التلاحم مع الدولة، وربما التحوّل إلى معارض لها دون إدراك أنه أصبح أداة فى معركة وعي أكبر منه.

ففى هذه المعركة، لم يعد السلاح بيد الجيوش وحدها، بل بيد كل مواطن.
المواطن الواعي هو من يرفض أن يكون وسيلة فى يد ماكينة تضليل، ويتحقق من مصدر الخبر، ويسأل عن مصلحة من يروّج معلومة معينة.

فالثقة ليست علاقة عمياء، بل علاقة نقدية واعية، تدرك أن الحكومات قد تخطئ، لكنها تبقى هي المؤسسة التي تحمي الدولة من التفكك، لا المنصة التي يجب إسقاطها بأول أزمة.

الخيارات واضحة: إما أن نتماسك كمجتمع رغم اختلافاتنا، ونعبر الأزمات بثقة نقدية وشراكة واعية بين المواطن والدولة، أو نسقط فى فخ من يروّجون للفوضى تحت شعارات زائفة.

إننا فى زمن لا تحتاج فيه الدولة فقط إلى "جيش نظامي"، بل إلى جيش من المواطنين الواعين، الذين يدركون أن الوعي الحقيقي هو وعي يحمي ولا يهدم.
الخلايا النائمة اليوم ليست مجرد مشكلة أمنية، بل تحدٍ عالمي يواجه الأجهزة الاستخباراتية والقانونية والمجتمعية.
(3)
على مدار العقود الماضية، خاضت مصر حروبًا تقليدية من أجل استقلالها وبقائها، لكنها اليوم تخوض حربًا أكثر خطورة وتعقيدًا، حربًا لا تُخاض بالمدافع والدبابات، بل بالعقول والمعلومات والشائعات.

إنها حرب الوعي، التي تهدف فى جوهرها إلى ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته، عبر آليات منظمة، تقودها منصات إعلامية مأجورة، وتغذيها حسابات إلكترونية موجهة.

فى أي دولة، تُعد الثقة بين المواطن والدولة حجر الزاوية فى استقرار المجتمع، واستمرارية التنمية، هذه الثقة لا تعني غياب النقد، بل تعني الإيمان بأن الدولة تسعى للصالح العام.. فلابد من إدراك الفرق بين معارضة بنّاءة، وتحريض هدّام.

الأمر الذي يستوجب علينا دعم المؤسسات الوطنية باعتبارها الضامن الوحيد لوحدة الكيان الوطني، كما أن كسر هذه الثقة يعني ببساطة تمهيد الطريق لتفكك داخلي، وإحباط عام، وغياب الانتماء، وصعود قوى الفوضى على حساب الدولة الوطنية.

لكن كيف تُصنع الحرب؟!

أولاً: يتم ذلك من خلال استغلال الأزمات:
مصر، كغيرها من الدول ذات الاقتصاديات الناشئة، تواجه أزمات اقتصادية بسبب عوامل داخلية وعالمية (مثل تداعيات كورونا، الحرب الروسية الأوكرانية، أزمة الدولار).. هذه الأزمات تُستغل من جهات معادية عبر تضخيم السلبيات وتجاهل الإيجابيات.
اختزال الجهود الحكومية فى مشروعات معينة لتوجيه سهام النقد لها.
تصوير الدولة كعدوة للمواطن، لا حاميًا له.

ثانيًا: إنتاج الشائعات المُمنهجة:
من أخطر أدوات تزييف الوعي ما يسمى بـ"الشائعات المركبة"، وهي شائعات تبدو منطقية، لكنها تحمل مغالطات دقيقة، مثل:
نشر أكاذيب عن "انهيار اقتصادي وشيك".
ترويج مزاعم عن "تسليم أصول الدولة للصندوق السيادي".
هذه الشائعات لا تهدف إلى المعرفة، بل إلى القلق والبلبلة وفقدان الأمل.

ثالثًا: الهجوم على الرموز الوطنية:
تشويه شخصيات بعينها (قيادات الجيش، الرئيس، المسئولين التنفيذيين) بهدف كسر صورة "النموذج الوطني"، وترسيخ خطاب: "الكل فاسد – لا أحد يستحق الثقة"، وهو مدخل نفسي خطير جدًا يُفضي إلى رفض كل المؤسسات.

رابعًا: التشكيك فى إنجازات الدولة:
حتى عندما تتحقق مشروعات قومية كبرى (محطات الكهرباء – الطرق – قناة السويس الجديدة – توطين الصناعة)، تُواجه بسيل من الأسئلة والتشكيكات..
كم كلّفت؟! لماذا الآن؟! هل يستفيد المواطن منها؟! وهنا لا يكون الهدف هو النقاش البنّاء، بل زعزعة الثقة العامة.
ما نعيشه اليوم هو جزء من حروب الجيل الرابع (4GW)، التي لا تعتمد على غزو الأرض، بل على تفكيك الجبهة الداخلية، وهي معركة أكثر ضراوة لأنها: تستهدف المواطن قبل الجندي.. تخترق الوعي لا الحدود.. تستغل التكنولوجيا لا المدرعات.
فى المقابل، على المواطن أن يحمي وعيه من التلاعب، وأن يدرك أن الدولة، رغم كل التحديات، تبقى السد الأخير أمام الفوضى.
إن المعركة على الوعي أخطر من المعركة على الحدود، فى ظل عالم متغير، واقتصاد عالمي مرتبك، وتحالفات سياسية متشابكة، تبقى أخطر المعارك هي تلك التي لا تُرى بالعين، بل تُ حسم داخل العقول.
من يُرد هدم مصر، لن يأتي بجيوش، بل سيأتي بمقطع فيديو مفبرك، أو شائعة مغلفة بالحقيقة، أو خطاب ينزع الأمل من القلب.
الحفاظ على الثقة بين المواطن والدولة واجب وطني مشترك، لا يُمكن للدولة أن تحققه وحدها، ولا للمواطن أن يبنيه فى فراغ، إنها مسئولية تاريخية.. فإما أن نكون وعيًا موحّدًا فى وجه العدو، أو نكون فُتاتًا تبتلعه الشائعات.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان