شيّع لبنان، اليوم الإثنين، جثمان الفنان والموسيقي الكبير زياد الرحباني، الذي رحل عن عالمنا صباح السبت الماضي عن عمر ناهز 69 عامًا، بعد صراع طويل مع المرض. وقد أُقيمت صلاة الجنازة في كنيسة رقاد السيدة في المحيدثة - بكفيا، حيث ودّعته عائلته، وألقت الفنانة الكبيرة
فيروز نظرة الوداع الأخيرة على نجلها البكر.
منذ ساعات الصباح، تجمّع المئات أمام مستشفى "خوري" في منطقة الحمرا، حيث كان الراحل يتلقى علاجه في أيامه الأخيرة، بانتظار موكب الجثمان الذي انطلق إلى بلدة المحيدثة في قضاء المتن، ليوارى الثرى في مدافن العائلة في بكفيا.
وقد شهد محيط المستشفى توافد حشود من المحبين، إلى جانب عدد من الفنانين والمثقفين وأصدقاء الراحل، إضافة إلى ممثلين عن هيئات سياسية ونقابية لبنانية.
وفي بيان للمستشفى، أُعلن أن الرحباني توفي في تمام الساعة التاسعة صباحًا يوم السبت، بعد تدهور حالته الصحية نتيجة مضاعفات تليّف حاد في الكبد، وهو المرض الذي أثّر على نشاطه الفني في سنواته الأخيرة.
وداع وطني حافل
نعت رئاسة الجمهورية اللبنانية، ممثلة بالرئيس جوزيف عون، الراحل بكلمات مؤثرة، كما قدم التعازي كل من رئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، إلى جانب عدد كبير من الفنانين والمثقفين من مختلف أنحاء العالم العربي.
حالة فنية وفكرية فريدة
ولد زياد عاصي الرحباني في 1 يناير 1956 في بلدة أنطلياس، وهو النجل البكر للفنانة
فيروز والموسيقي الكبير عاصي الرحباني. لم يكن زياد مجرد فنان، بل كان ظاهرة ثقافية وفكرية، وصوتًا صادقًا عبّر عن قضايا الناس، ومرآةً للمهمشين والمقهورين، من خلال موسيقاه ومسرحه ومقالاته وبرامجه الإذاعية.
في عمر السابعة عشرة، قدّم أول لحن لوالدته فيروز، بأغنية "سألوني الناس" التي غنتها خلال عرض مسرحية "المحطة" عام 1973، وحققت نجاحًا استثنائيًا، لتُعلن انطلاقة فنية مبهرة لشاب أثبت منذ لحظته الأولى أنه امتداد عبقري للمدرسة الرحبانية.
مسرح ساخر وموسيقى ثائرة
أبدع زياد في المسرح السياسي الساخر، من خلال أعماله الشهيرة مثل:
"سهرية" (1973)
"نزل السرور" (1974)
"بالنسبة لبكرا شو؟" (1978)
"فيلم أميركي طويل" (1980)
"شي فاشل" (1983)
كما تميز بمزج الجاز الغربي بالموسيقى الشرقية، وأنتج ألبومات موسيقية مميزة، وتعاون مع كبار الفنانين، منهم لطيفة، جوزيف صقر، سامي حواط، خالد الهبر. ووزع أعمالًا شهيرة مثل "أحمد الزعتر" و**"مديح الظل العالي"** لمحمود درويش.
صوت إذاعي ناقد
إلى جانب الفن، عمل زياد في الإذاعة من خلال برامجه الشهيرة عبر "صوت الشعب"، ومنها:
"بعدنا طيبين.. قول الله"
"تابع لشي تابع شي"
وهي برامج تناولت الواقع اللبناني بشجاعة، وانتقدت الطائفية والفساد والحرب بأسلوب ساخر لا يخلو من العمق والجرأة.
إرث لا يُنسى
برحيل زياد الرحباني، يفقد
لبنان والعالم العربي أحد أبرز رموز الحداثة الموسيقية والفكر السياسي الناقد. ستظل أعماله الموسيقية والمسرحية حيّة في الذاكرة، تُلهم الأجيال وتؤكد أن الفن يمكن أن يكون شكلًا من أشكال المقاومة، وأن الكلمة يمكن أن تكون موقفًا.