بعد إعلان ماكرون..ماذا يعنى الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية ؟!

بعد إعلان ماكرون..ماذا يعنى الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية ؟!صورة أرشيفية

حرب التجويع الممنهجة التى يفرضها الاحتلال الإسرائيلى على أكثر من مليونى فلسطينى فى قطاع غزة ، حركت مشاعر العالم فى ظل الحصار الخانق، ومنع دخول المساعدات للفلسطينيين، الأمر الذى جعل الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون ، ينضم لأكثر من 140 دولة، بالإعلان عن أن بلاده ستعترف بدولة فلسطينية خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة فى شهر سبتمبر المقبل، وبينما استقبل البعض قرار فرنسا بترحيب شديد كونها الدولة الأولى ضمن مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى التى تقدم على هذه الخطوة، استقبله آخرون بحذر، ما فتح باب التساؤلات حول أهمية هذا القرار الفرنسى، ومدى تأثيره، وما إذا كان سيدفع بدول كبرى أخرى للحاق بركب الاعتراف بفلسطين؟!

فى هذا السياق، اعتبر مراقبون ومحللون أن إعلان الرئيس الفرنسى، إن تم تنفيذه فعليًّا، سيشكل إنجازًا لحركات التضامن العالمى، وإثباتًا أن الضغط الشعبى يمكن أن يغيّر مواقف الحكومات، وقد يفتح الباب للمزيد من المحاكمات والمساءلات القانونية لإسرائيل، خاصة فى المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، حيث يُعد الاعتراف الدولى بفلسطين خطوة رمزية مهمة تعزز من مكانة فلسطين القانونية والسياسية على المستوى الدولى، وتُمكنها من الانضمام إلى المؤسسات الأممية والمطالبة بحقوقها عبر المحاكم الدولية.
ويشير مراقبون، إلى أن ما يجعل قرار ماكرون مختلفا هو توقيته، ومكانة فرنسا الدولية، والأثر السياسى الذى قد يترتب عليه، إذ إن فرنسا ليست فقط لاعبا رئيسا فى أوروبا، بل هى طرف دائم فى مجلس الأمن الدولى، وصاحبة شبكة تحالفات واسعة فى الشرق الأوسط، كما أنها الدولة الوحيدة من مجموعة السبع التى اتخذت هذه الخطوة حتى الآن، وما يزيد من أهمية القرار أن ماكرون لم يكتفِ بالإعلان فقط، بل أرفق قراره بخريطة طريق سياسية واضحة تتضمن مؤتمرات دولية، ودعوة لإصلاح السلطة الفلسطينية.
الرئيس الفرنسى، على ما يبدو، يريد بقراره حث الدول الأخرى فى مجموعة السبع على اتباع نفس النهج، ولو كان الأمر رمزيا، وذلك للإيحاء بأن للدول الأوروبية دورا فى الصراع فى الشرق الأوسط لا يقل أهمية عن دور الولايات المتحدة، الفاعل الأكبر فى المنطقة، وربما يساهم فى تخفيف وطأة الكارثة الإنسانية فى غزة .
يضاف إلى ذلك، أن الاعتراف الفرنسى سيشكل ضغطا على الدول الغربية المترددة، ويدفع باتجاه تطبيق قرارات الشرعية الدولية بشأن الصراع الفلسطينى الإسرائيلى.
ويمكن أن يضع قرار فرنسا ضغوطًا على دول كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا وأستراليا وكندا واليابان، لاتخاذ خطوات مشابهة لباريس، وعلى المدى القريب، قد تكون مالطا وبلجيكا الدولتين التاليتين من الاتحاد الأوروبى اللتين ستعترفان بدولة فلسطينية.
كما أن الخطوة الفرنسية، التى تضم أكبر جاليتين لليهود والمسلمين فى أوروبا، يمكن أن تعطى دفعة أكبر للحركة التى تقودها، حتى الآن، دول أصغر وأكثر انتقادًا لإسرائيل بوجه عام.
فى المقابل، استقبل فريق من الخبراء إعلان الرئيس الفرنسى بالاعتراف بدولة فلسطين بحذر، مشيرين إلى أن وعود فرنسا ليست سوى مجرد لفتة «رمزية»، وأن ماكرون لا يتحرك بدافع إنسانى أو قانونى بحت، بل تحت ضغط مركب من السياسة الداخلية والواقع الدولى، حيث إنه مع تصاعد الغضب الشعبى فى الشارع الأوروبى، وازدياد الضغوط الداخلية فى فرنسا تحديدًا، حيث تعيش أكبر جالية مسلمة فى أوروبا الغربية، لم يعد ممكنًا لباريس الاستمرار فى التواطؤ الصامت، ومن هنا جاء تصريح ماكرون فى محاولة لامتصاص الغضب الداخلى الناتج عن تزايد حملات التضامن مع غزة داخل المجتمع الفرنسى، ولإعادة التوازن لموقفه السياسى، وتقديم «حل وسط» يُظهر فرنسا كداعم للعدالة، دون الصدام المباشر مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.
كما أن إعلان فرنسا لا يتحدث عن «الاعتراف بدولة فلسطينية» بشكل مباشر أو غير مشروط، بل يربط ذلك بما أسماه ماكرون «دولة قابلة للحياة»، هذا المصطلح الفضفاض كثيرًا ما استُخدم فى الخطاب الغربى للتهرب من الاعتراف بدولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
عبارة «قابلة للحياة» بحسب التفسير الغربى، تعنى دولة لا تشكل «تهديدًا أمنيًّا» لإسرائيل وتقبل نزع سلاح المقاومة وتقبل وجود قوات مراقبة دولية، ولا تكون لها سيطرة على المعابر والحدود والمجال الجوى.
رغم أهمية هذا الإعلان على المستوى الرمزى فإنه، حسب مراقبين، لا يمكن فصله عن الحسابات السياسية البحتة التى تحرك السياسة الخارجية الفرنسية، وتشمل محاولة استعادة النفوذ الفرنسى فى الشرق الأوسط، خاصة بعد تراجع دور فرنسا فى الملفين؛ اللبنانى والسورى، ومحاولة ضبط التوازن بين العلاقات التاريخية مع إسرائيل والعلاقات المتوترة مع الجاليات المسلمة، والرد على تحركات بعض الدول الأوروبية (إيرلندا، إسبانيا، النرويج) التى اعترفت رسميًّا بدولة فلسطين فى مايو 2025.
ويرى مراقبون، أن الخطر يكمن فى إمكانية استخدام هذا الاعتراف كوسيلة للضغط على القيادة الفلسطينية للعودة إلى طاولة المفاوضات بشروط مجحفة، تحت عنوان «نحن نعترف بدولتكم، وعليكم الآن القبول بالتسوية».
لذا شدد خبراء ونشطاء، على أن «ما كان يجب على فرنسا أن تعترف به أيضا هو الإبادة الجماعية المستمرة واتخاذ خطوات ملموسة لإنهاء هذه الإبادة والاحتلال»، بما فى ذلك تعليق التجارة وقطع العلاقات الدبلوماسية ومنع تصدير الأسلحة لإسرائيل.
يذكر أنه منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة فى 7 أكتوبر 2023 تسارعت خطوات الاعتراف بدولة فلسطين، حيث أعلنت 10 دول جديدة خلال هذه الفترة اعترافها الرسمى، وهى: المكسيك، أرمينيا، سلوفينيا، إيرلندا، النرويج، إسبانيا، جزر البهاما، ترينيداد وتوباجو، جامايكا، وباربادوس.
أما مالطا، التى أعلنت أنها مستعدة «للاعتراف بفلسطين» بالاشتراك مع إيرلندا وإسبانيا وسلوفينيا، فى مارس 2024. كان من المقرر أن تُتخذ هذه الخطوة حينما «تحمل مساهمة إيجابية» لحل الصراع الإسرائيلى الفلسطينى، وعندما تكون الظروف «ملائمة»، وبينما أقدمت الدول الثلاث الأخرى على هذه الخطوة بعد بضعة أشهر، لم تُعلن مالطا ذلك رسميا حتى الآن.
وباعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية ستكون القوة الأوروبية الأكثر أهمية التى تعترف بالدولة الفلسطينية، ومن شأن هذه الخطوة أن تجعل فرنسا أول عضو دائم فى مجلس الأمن الدولى يعترف بدولة فلسطين وهى خطوة قاومتها الولايات المتحدة لفترة طويلة.
ورغم تحفظ دول غربية أخرى نافذة، فإن محللين يرون أن تصاعد العنف فى غزة، وتدهور الأوضاع الإنسانية، وتوسع الاستيطان الإسرائيلى، غيّر قناعات كثيرين فى أوروبا بأن حكومة إسرائيل الحالية لا تعتزم فعليا إنهاء الاحتلال، ما يدفع هؤلاء إلى اعتبار الاعتراف الأحادى بفلسطين «ورقة ضغط» ممكنة لتغيير حسابات تل أبيب.
وفى بريطانيا، أعربت إميلى سورينبرى، رئيسة لجنة الشئون الخارجية فى البرلمان البريطانى، عن اعتقادها بأن الاعتراف بفلسطين لم يعد ترفا سياسيا، بل ضرورة أخلاقية تفرضها المجازر فى غزة والشلل السياسى الدولى.
وحسب سورينبرى، فإن «الاعتراف يجب أن يكون غير مشروط، وأن يُنفذ الآن»، مؤكدة أن بريطانيا تمتلك أدوات ضغط حقيقية، أبرزها العقوبات على المستوطنات والشركات المتورطة فى البناء غير الشرعى، بالإضافة إلى إمكانية التأثير على واشنطن عبر علاقاتها الوثيقة مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان