العالم ضد الحقيقة .. ومصر ضد العالم

العالم ضد الحقيقة .. ومصر ضد العالمسعيد صلاح

الرأى3-8-2025 | 20:46

لا أجد كلمات أكثر دقة وأبلغ وصفا لما يحدث الآن، من كذب وإفك وتضليل وتزييف وتشتيت وشماتة ونهش وتشويه، غير الكلمات التي قالها الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجه، عندما سئل عن الحق والباطل والصراع الأبدي بينهما: «ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع»، وعندما سُئل عن معناها، جمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه، ثم قال: «الباطل أن تقول سمعت، والحق أن تقول رأيت».. هذه الكلمات تقول أن الباطل قد يبدو مقبولاً إذا اعتمد على السماع دون التثبت والتحقق ومن قبلهما الفهم، وأن الحق هو ما يراه الإنسان بعقله ويدركه ببصيرته قبل أن يراه بعينه.

وأتذكره أيضا عندما قال: «حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهم أهل الباطل أنهم على حق» وهنا تبرز أهمية الدفاع عن الحق وعدم السكوت عن الباطل، لأن سكوت أهل الحق يعطي انطباعاً بأن الباطل هو الحق عند أهل الباطل، فيتمادون فى غيهم وظلمهم وباطلهم وبهتانهم.
أما القديس أثناسيوس ، فقد قالها من الإسكندرية ، وأردد معه ما قاله قبل زمن بعيد، ففى زمانه، وحينما كان يحارب الهرطقة، قالوا له: «العالم كله ضدك.. فقال وأنا أيضا ضد العالم».. نعم «إذا كان العالم كله ضد الحقيقة، فأنا ضد العالم، وإذا كنتم لا ترون الحقيقة وتنكرونها فأنا كونى مصرى ضدكم.. لأننا ما تخلينا يوما ولن نتخلى عن فلسطين كلها وشعبها الشقيق.
إن كنتم لا ترون على مدار كل هذه السنوات، وعلى امتداد تاريخ القضية الفلسطينية، أن مصر لم تكن هى الداعم الأول والأكبر للقضية؟! فأنتم على جبهة الباطل وفى صفه وتحت قدميه وفى خدمته، ولن تضار مصر أبدًا، ولن تكل أو تمل ولن تتخلى عن دورها التاريخى فى دعم القضية حتى يتحقق الحلم والحل بدولة فلسطينية على حدود 5 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية باعتباره الحل الأوحد والوحيد لهذا الصراع الدائر بالمنطقة منذ سنوات وتهرس أنيابه أبرياء لا ذنب لهم ولا عدد.
الهجمة الشرسة والتى أراها فى منتهى الغباء والانفضاح، وقودها ذباب طائر هنا وهناك، يدفع به ذباب أكبر يختبىء خلف ستائر دخان، وإن شاء الله فى يوم من الأيام ستتحول هذه الستائر إلى ستائر نار تلتهمهم وتحرقهم جلودهم جميعا.
حملات «التعرى الإنسانى والسياسى» التى بدأت باتهام إفك وباطل ومقزز، من دولة الاحتلال لمصر فى أثناء نظر محكمة العدل الدولية الدعوى التى حركتها جنوب إفريقيا ضد الكيان الصهيونى، عندما قال زبانية جهنم وقردتها، أن مصر هى التى تمنع دخول المساعدات إلى غزة ، ثم دعوات لتسيير قوافل حملت زورًا وبهتانًا، ثم دعوات هنا وهناك لمصر بفتح المعبر لدخول المساعدات وكسر الحصار، وبعد ذلك يتحرك مجموعة من الشباب الأبله المخدوع المضحوك عليه ويضع أقفال على سفارات مصر فى دول أوروبية لتشويه صورتها واتهامها بأنها تشارك فى حصار غزة وتمنع أهلها الطعام، ثم تحركات غريبة من قلب دول الاحتلال من قبل كيان لقيط يقول على نفسه اتحاد أئمة المساجد فى الداخل الفلسطيني للتظاهر أمام السفارة المصرية فى تل أبيب ضد مصر لأنها تغلق معبر رفح، ثم كلام هنا وتصريح هناك من بعض العرب عن تعظيم أدوار وأفعال ليست لهم ولا منهم غرضها تقزيم دور مصر وتضخيم دورهم ومكانهم، وتحسين صورتهم ورسمهم، وما هى بالطبع إلا «أضغاث أحلام»، فماذا تفعل الماشطة فى «الوش العكر».
كل هذا يحدث والدنيا مشتعلة من حولنا والمنطقة وكل دولها، تنغمس أكثر وأكثر فى المخطط الشيطانى وتكاد تنزلق إلى «حافة الهاوية» لولا مصر التى ما تزال تقف، وفى يديها الحبل الذى تقذف به نحوها لتنقذهم من الانزلاق - رغم أنها الهدف والمقصد من البداية، ورغم ذلك هناك من يحاول تقطيع هذا الحبل وإشعال النار فى طرفه المقابل.
وأمام هذه التطورات الميدانية الخطيرة وتلك الحملة المسعورة، التى كانت تشبه كرة الثلج تتدحرج فتزداد اشتعالاً، كان التحرك المسئول والواعى والمحبط لكل المخططات الشيطانية والقاطع للطريق على هؤلاء الخونة للقضية العربية الأولى ولأوطانهم، من رئيس دولة بحجم مصر، الرئيس عبد الفتاح السيسي، ليصنع موقفًا واضحًا وحاسمًا وفاصلاً فى وجه كل هذه الحملات المغرضة وهذا الحراك المريب والمدبر.
هذا التحرك الذى أقصده هو الكلمة التاريخية التى ألقاها الرئيس السيسي الأسبوع الماضي، والتى لم تكن فقط لتكرار المواقف المصرية التقليدية، بل حملت رسائل واضحة ومكثفة تعكس حجم التحديات والتعقيدات الراهنة، وأكدت مرة أخرى على الثوابت المصرية و«الخطوط الحمراء».
فقد شدد الرئيس السيسي وبشكل قاطع على الموقف المصري الثابت والشريف تجاه القضية الفلسطينية، ولم يكن هذا التأكيد خطابًا عابرًا، بل تذكير بأن القضية الفلسطينية «جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري»، وأن رفض التهجير كان ولا يزال «خطاً أحمر» لمصر، ليس فقط من منظور إنساني أو سياسي، بل من منظور أمني واستراتيجي بحت، فالتهجير إلى سيناء يمثل تهديدًا مباشرًا لاستقرار مصر وتغييرًا ديموغرافيًا وجغرافيًا قد يؤدى إلى تفجير المنطقة، وهى رسالة واضحة للجميع.
كما أن حل الدولتين، لا تزال مصر تعتبره الحل الوحيد المستدام والعادل، وإعادة التأكيد على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية يعنى أن مصر ترفض أى حلول جزئية أو مؤقتة لا تفضي إلى هذا الهدف، وترفض أيضًا أى محاولات لتصفية القضية.
كما أن الدعوة إلى تحرك عملى وفورى لوقف إطلاق النار وإدخال المساعدات، وتكرار المطالبة بوقف فورى للحرب وإدخال المساعدات يعكس إدراك مصر لحجم الكارثة الإنسانية فى غزة، ومصر بحكم موقعها الجغرافى ودورها التاريخى، تقع عليها مسؤولية كبيرة فى إغاثة القطاع، والرئيس يعكس هذا الالتزام ويطالب المجتمع الدولى بتحمل مسئوليته.
وتوجيه الرئيس السيسي نداء للمجتمع الدولى والاتحاد الأوروبى والدول العربية، يعكس أيضًا إحساسًا مصريًا بضرورة توحيد الجهود الدولية لمواجهة الأزمة، الرئيس يدعو إلى تضافر القوى لممارسة الضغط اللازم لوقف الحرب، كما أن الرسالة التى بعث بها الرئيس إلى للولايات المتحدة، وأشار فيها إلى «الرئيس ترامب» بصفته القادر على إيقاف الحرب وإدخال المساعدات تعكس إدراك مصر للدور المحوري للولايات المتحدة فى الأزمة، وإن لم يكن كل أوراق اللعبة فى يدها.
وأعتقد أن اختيار الرئيس عبد الفتاح السيسي لتوقيت الخطاب أو «الرسالة» إن أردنا دقة الوصف، يوم 28 يوليو الماضي، يحمل دلالات مهمة تتعلق بالوضع الراهن فى غزة، والموقف الإقليمي والدولي، وحملات التشوية «السخيفة» – حسبما وصفها الرئيس.
فقد كان هناك تصاعد مستمر للعمليات العسكرية فى قطاع غزة وتفاقم غير مسبوق للأزمة الإنسانية، وتزايد أعداد ضحايا المدنيين، وتهديد بتهجير جديد، فى ظل مؤشرات أو محاولات متجددة لدفع الفلسطينيين نحو الحدود المصرية، يستلزم معه كلامًا حاسمًا لتأكيد «الخط الأحمر» المصرى، كما أن توقيت الكلمة قد يكون استباقيًا لأي تطورات متوقعة فى الأيام القادمة، سواء على الصعيد الميداني أو السياسي، فإن حدث فليعلم الجميع أن مصر هنا.
ويبقى – ختاما - الإشارة إلى أهم ما ورد فى كلمة الرئيس السيسي وإن كان كل ما ورد فيها غاية فى الأهمية،
وهو التأكيد على أهمية توحيد الجبهة الداخلية، وطمأنة الشعب: التأكيد على أن القيادة المصرية تبذل قصارى جهدها لحماية الأمن القومي ودعم القضية الفلسطينية، وأنه من الضروري والمهم بل والحيوى أن نواجه الاستقطاب، ونمنع أى محاولات لاستغلال الأزمة لخلق استقطاب داخلى أو إثارة البلبلة، لأن هذا مكمن الخطر ومبعث الشرر والشرور وهم – أقصد أهل الشر – يعلمون ذلك.. ولكن نحن بفضل الله واستنادًا إلى وعينا وإدراكنا التام لأهمية وقدسية الحفظ على الأوطان، لن نعطيهم الفرصة، وستبقى مصر «تحيا.. تحيا .. تحيا» رغم أنف الجميع.
حفظ الله الجيش .. حفظ الله الوطن

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان