التمور العُمانية.. تجسيد لعمق التاريخ والثقافة وتعزيز الأمن الغذائي

التمور العُمانية.. تجسيد لعمق التاريخ والثقافة وتعزيز الأمن الغذائي الاهتمام بالنخل في عُمان ثقافة وتراث عريق

عرب وعالم10-8-2025 | 12:33

تعد التمور في سلطنة عُمان، أكثر من مجرد محصول زراعي؛ إنها تجسيد لعمق التاريخ والثقافة العمانية. وتستمر سلطنة عمان في استثمار هذا الإرث الزراعي من خلال مبادرات صناعية ومهرجانات ثقافية، ما يبرز مكانة التمور العمانية كأحد أبرز المنتجات الزراعية في المنطقة. وتتميز هذه التمور بجودتها العالية وتنوع أصنافها، ما يجعلها ركيزة أساسية في الأمن الغذائي وهُوية المجتمع العماني.

وفي السنوات الأخيرة شهدت زراعة النخيل وصناعة التمور في عمان تطورًا ملحوظًا، مدعومًا باستثمارات حكومية وخاصة تهدف إلى تعزيز القيمة المضافة وفتح آفاق جديدة للتصدير. ومع تزايد الاهتمام المحلي والدولي بهذا المنتج التراثي، تسعى السلطنة إلى تحويل هذا القطاع إلى صناعة وطنية مستدامة تحقق الاكتفاء الذاتي وتساهم في التنمية الاقتصادية وتحقيق مستهدفات الرؤية العُمانية المستقبلية 2040.

لم تكن شجرة النخيل في سلطنة عُمان مجرد مصدر غذاء، بل شكّلت على مرّ العصور أحد أعمدة الهوية العُمانية، وارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالضيافة، والتقاليد، والموروث الشعبي الذي تناقلته الأجيال. فالتمر، لم يُقدَّم فقط على موائد الطعام، بل في المناسبات الاجتماعية، والأعياد، والمجالس، كرمز للكرم والاحتفاء بالضيف. ويحضر التمر في معظم تفاصيل الحياة اليومية العُمانية، حيث لا تكاد تخلو أي بيت من خزانة تمرٍ تُعدّ زادًا دائمًا في المنزل.

ويُقدم التمر في المجالس إلى جانب القهوة العمانية كتحية تراثية تعبّر عن الاحترام والتقدير، بينما يُستخدم دبس التمر في إعداد الأطباق التقليدية. وتتنوع أصناف التمور في عُمان بما يتناسب مع طبيعة المناطق واستخدامات الأهالي؛ فمنها ما يُستهلك طازجًا في بداية الموسم، مثل «النغال» و«الخلاص»، ومنها ما يُخزَّن على هيئة «فاغور» أو «مدّبس»، لاستخدامه طوال العام، خصوصًا في المناطق الجبلية والبدوية. والتمر حاضر في كل موسم ومناسبة، إذ يكون موجودا في الأعراس والعزاء والاحتفالات الدينية باعتباره مكوّنًا أساسيًا في الهدايا والضيافة.

وفي الجانب الأدبي، تركت النخلة أثرها في الذاكرة الشعبية؛ حيث يتغنّى بها الشعراء في قصائدهم، وتظهر في الأمثال الشعبية والحكم للدلالة على الصبر والثبات. وباعتبارها جزءًا من التراث والهوية العمانية، تسعى الجهات الرسمية والمؤسسات الثقافية في عُمان إلى توثيق هذا الموروث وتعزيزه، من خلال مهرجانات التمور، والمبادرات التي تربط الجيل الجديد بعادات الزراعة والحصاد التقليدي، إلى جانب إنشاء المتاحف والمراكز التراثية التي تسلط الضوء على دور النخلة في الثقافة العمانية.

تراث غذائي واقتصادي واستثماري
تمثّل التمور العُمانية أحد أبرز رموز التراث الغذائي في سلطنة عُمان؛ إذ ارتبطت تاريخيًا بالحياة اليومية للمجتمع العُماني، وشكّلت عنصرًا أساسيًا في النظام الغذائي التقليدي الذي حافظ عليه العمانيون عبر العصور. وبفضل تنوع أصنافها وجودتها العالية، أصبحت التمور العُمانية اليوم مرآةً لهويةٍ ثقافيةٍ واقتصاديةٍ متجذرة في عمق البيئة العُمانية. وفي البيوت العُمانية، لا يُعد التمر مجرد طعام، بل هو عنصر يومي مرتبط بالضيافة والبركة والصحة، وتتنوع أصناف النخيل في عمان بكثرة، إذ تنتشر في عُمان أكثر من 250 صنفًا من التمور، أشهرها: الخلاص، والفرض، والخنيزي، والبهلاني، والبرني، والنغال، والمبسلي، والزبد، وبو نارنجه.

يعكس هذا التنوع الثراء البيئي والمناخي لسلطنة عمان، حيث تحتفظ كل ولاية بصنف يميّزها ويُزرع فيها تقليديًا جيلاً بعد جيل، في تأكيد على العلاقة العميقة بين الإنسان والنخلة. تعمل الجهات العُمانية المعنية، وعلى رأسها وزارة الثروة الزراعية والموارد المائية، على دعم المزارعين والمنتجين للحفاظ على النخيل كركيزة للتراث الزراعي، من خلال المبادرات التدريبية، والمهرجانات السنوية، وبرامج تسجيل الأصناف المحلية وتوثيقها، وبينما تتغذّى الأجيال الجديدة على هذا التراث، تسعى عمان إلى ترسيخ التمور العُمانية كعلامة غذائية عالمية تحمل الطابع العُماني الأصيل.

وقد شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في تصدير التمور إلى دول الخليج وآسيا وأوروبا، ضمن خطة طموحة لتعزيز الأمن الغذائي والاعتزاز بالهوية الوطنية، إذ تحوّلت التمور من مكوّن غذائي تراثي إلى عنصرٍ اقتصادي واستثماري، وذلك عبر صناعات تحويلية مثل تعبئة التمور، ودبس التمر، وخل التمر، والتمور المحشوة بالمكسرات أو التوابل العُمانية. وتسهم شركات وطنية، أبرزها «الشركة العمانية لإنتاج وتعبئة التمور»، في نقل التمر من المزرعة إلى السوق المحلي والعالمي بأساليب عصرية دون التفريط بالهوية التقليدية.

تُظهر سلطنة عُمان حكومة وشعبًا اهتمامًا وثيقًا بالتمور منذ بدء حصاد النخلة -ما يسمى محليًا بالجداد- إلى تصنيعها وتجفيفها كتمور، وكمثال على هذا الاهتمام يأتي موسم التبسيل لجني البسر من مختلف أصناف النخيل في المقدمة، وتبرز ولايات الكامل والوافي، وبدية، وجعلان بني بوحسن والمضيبي في الاهتمام بهذا الموسم كغيرها من الولايات، وينصبّ الاهتمام في جني ثمار المبسلي لجودته وكبر حجمه.

ويبدأ هذا الموسم من منتصف يونيو حتى العاشر من يوليو من كل عام، وسط طقوس تتجلى فيها معاني التعاون والترابط الاجتماعي. ويعتمد ذلك على تنوع أصناف النخيل، وعلى طبيعة القرية وصحة النخلة، موضحًا أن النخلة ذات الغلة الكثيرة تتأخر في النضج والبسر. أما عن موسم «الفاغور»، فهو يرتبط بـ«التبسيل»، وهو عملية تحويل ثمار النخيل (بسر) إلى الفاغور. يبدأ موسم التبسيل عادةً في فصل الصيف (القيظ) في ولاية بدية بمحافظة شمال الشرقية، حيث يتم جني ثمار «نخلة المبسلي» وطبخها في وعاء يعرف محلياً بـ«التركبة» ثم تجفيفها.

مهرجان التمور وأسواق جديدة للتصدير
يُعد الفاغور جزءًا مهمًا من الأمن الغذائي في سلطنة عمان ويحظى باهتمام اقتصادي واجتماعي. ويأتي مهرجان التمور سنويًا ويُقام في مختلف المحافظات، ويهدف إلى التعريف بأصناف التمور العمانية المختلفة، وتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على الاستثمار في قطاع التمور، وتوسيع آفاق التجارة في مجال التمور، بالإضافة إلى استعراض أحدث التقنيات المستخدمة في صناعة التمور لفتح أسواق جديدة لتصدير التمور العمانية.

ولأن النخلة هي أساس التمر، فإن الحكومة متمثلة بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، إلى جانب مختلف المؤسسات والجهات ذات الشأن، تحرص على الاهتمام بهذا الإرث الغذائي، ويتمثل ذلك في مكافحة آفات النخيل المتمثلة في سوسة النخيل الحمراء، التي تُعد من أخطر الآفات التي تصيب النخيل، ودوباس النخيل المعروف بـ«المتق» وهو آفة أخرى تصيب النخيل وتسبب أضرارًا كبيرة، بالإضافة إلى حلم غبار نخيل التمر، الذي يسبب خسائر في المحصول وقد يجعل الثمار غير صالحة للاستهلاك. وذلك من خلال إنشاء نظام لمراقبة الإصابة بحشرة دوباس النخيل، وتقليم النخيل لإزالة الأجزاء المصابة، وتطبيق مبيدات حشرية فعّالة ومصرح بها لمكافحة دوباس النخيل، وتنويع المحاصيل الزراعية المزروعة بجانب النخيل؛ إذ يساعد ذلك على كسر دورة حياة الحشرة وتقليل تفشيها، وتنظيم حملات توعوية للمزارعين والمهتمين حول طرق المكافحة الفعّالة.

يُشار إلى أن مشروع (المليون نخلة) جاء بعد إعلان رؤية وتوجيهات الراحل السلطان قابوس بن سعيد - طيب الله ثراه - في نوفمبر عام 2009، لاستنهاض همم المجتمع العماني في الاهتمام بالنخلة، وتحقيق مردود غذائي واقتصادي واجتماعي وبيئي، إذ إن النخلة كانت ولا تزال هي العمود الفقري للأمن الغذائي في سلطنة عمان.

المؤكد أن الاهتمام العُماني الأصيل بالنخلة وما يتعلق بها من صناعات غذائية، يدعم ويعضد استراتيجية الأمن الغذائي التي تستند إلى عدة محاور رئيسية، تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، مع التركيز على تنويع الإنتاج الزراعي والحيواني، وتطوير الثروة السمكية، وتعزيز الاستثمار في القطاعات الغذائية المختلفة.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان