«زانجيزور».. خطة أمريكية للسيطرة الاقتصادية

«زانجيزور».. خطة أمريكية للسيطرة الاقتصاديةممر زانجيزور

كشفت تقارير أعدتها مؤسسات مالية دولية وأكبر شبكات الإعلام الاقتصادي العالمية أن مقترح ممر « زانجيزور »، الذي تقوده الولايات المتحدة ، يتضمن مكاسب اقتصادية بالغة تُقدر بــ «100» مليار دولار أرباح تجارية وفقا لبيانات صادرة عن البنك الدولي علاوة خلق فرص غير مسبوقة للتحكم فى مصادر الطاقة فى منطقة القوقاز ، حيث يتوسط الممر دولا تعد من أكبر الدول، التي تمتلك احتياطات الغاز عالميا تركمانستان التي لديها احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي ، وتعتبر واحدة من الدول الرئيسية المنتجة والمصدرة له بالإضافة إلى موارد ضخمة من الغاز والنفط، وتُصنف فى المركز السابع عالميًا وكازاخستان كمنتج رئيسي للغاز الطبيعي ، وتحتل المرتبة الثانية عشرة عالميًا بين منتجي الغاز.

اتفقت تقديرات المؤسسات المالية الدولية وتقارير شبكات الإعلام العالمية أن هذه المكاسب يقابلها تحديات كبيرة تواجه تنفيذ المشروع، مؤكدة أن المكاسب الاقتصادية لــ «ممر زانجيزور» للولايات المتحدة وحلفائها هائلة بما يكفي لتجاوز المخاوف السياسية والأمنية.

المكاسب الاقتصادية

تقارير أعدتها مؤسسات مالية واقتصادية دولية، وأكبر شبكات الإعلام الاقتصادي العالمية، وتعد النماذج التي أعدها «البنك الدولي» من أهم هذه التقارير ، وتشير نماذج البنك الدولي إلى أن الممر قد يُطلق العنان لقيمة تجارية سنوية تتراوح بين 50 و100 مليار دولار بحلول عام 2027، وستُعزى هذه الزيادة إلى تحسينات لوجستية هائلة، وكشفت تقارير أعدتها شبكة الإعلام الاقتصادي الأمريكية العالمية «بلومبرج» عن أن هذه بيانات صادرة عن مؤسسات رسمية صدرت فى مايو 2025 وتشير إلى أن هذا المسار قد يُقلل أوقات العبور بين أوروبا وآسيا بمقدار 12- 15 يومًا مقارنةً بالمسارات الحالية.

وفى هذا الصدد، يُقدّر مركز سياسات بحر قزوين أن عائد الاستثمار فى الممر مجزٍ، كما يقدّر أن تكاليف البنية التحتية ستتراوح بين 3 و5 مليارات دولار أمريكي على مدى 5 إلى 10 سنوات، فى حين تتوقع نماذج أكسفورد إيكونوميكس توفيرًا سنويًا فى الخدمات اللوجستية يتراوح بين 20 و30 مليار دولار أمريكي.

بالنسبة لأذربيجان، يتوقع مركز «تحليل الإصلاحات الاقتصادية والاتصالات» أن يزيد الممر من إجمالي الصادرات بأكثر من 700 مليون دولار أمريكي، وأن يعزز الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنسبة 2% سنويًا.

ووفقا للبيانات تُبرز تدفقات الطاقة مدى إلحاح هذا المشروع، فقد وفّر ممر الغاز الجنوبي لأذربيجان 12 مليار متر مكعب إلى أوروبا فى عام 2023، ويستهدف 20 مليار متر مكعب بحلول عام 2027 بموجب مذكرة تفاهم مع الاتحاد الأوروبي عام 2022. وتعتزم كازاخستان نقل كميات متزايدة من النفط عبر أذربيجان، حيث تصل التدفقات الفعلية إلى 1.2 مليون طن بين يناير وأكتوبر 2024، على الرغم من التحديات الفنية التي تحد من الطاقة الاستيعابية.

وعلى أمن الطاقة الأوروبي، فإن الآثار المترتبة على ذلك عميقة. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية فى تقريرها عن توقعات الطاقة العالمية لعام 2025 أن تحتاج أوروبا إلى 20 مليار متر مكعب إضافية من الغاز غير الروسي بحلول عام 2030. ومن الممكن أن يؤدي تطبيع الحدود بين أرمينيا وتركيا إلى تعزيز الوصول إلى احتياطيات بحر قزوين، مما قد يؤدي إلى خفض تكاليف الاستيراد بنسبة 10-15 فى المائة للشركات المستوردة.

تغييرات جذرية

وفقا للتقرير سيُحدث نجاح الممر تغييرًا جذريًا فى ديناميكيات القوة الإقليمية، مما يُفسر إعادة القوى المتنافسة تقييم استراتيجياتها، تواجه إيران احتمال فقدان 20-30% من دورها فى النقل العابر، مما يُعطل شرايين حيوية للتجارة، بما فى ذلك 43 ألف شاحنة تركية تمر سنويًا إلى آسيا الوسطى، وتواجه روسيا خسائر محتملة فى الإيرادات تتراوح بين 10 و20 مليار دولار على مدى عقد من الزمان، وتآكلًا بنسبة 10-15% فى نفوذها على أسواق الطاقة الأوروبية.

وبحسب التقرير من هذا المنطلق يُمثل ممر زانجيزور اختبارًا حاسمًا لقدرة الولايات المتحدة على هندسة حلول مُربحة للجميع فى المناطق المتنازع عليها، فى ذات الوقت، الذي تتطلع فيه الصين إلى تحقيق 20-30 مليار دولار من كفاءات مبادرة «الحزام والطريق» بحلول عام 2030 من خلال تحسين الربط.

وعلاوة على ذلك بحسب التقرير هذا الممر يمكن أن يُرسّخ مكانة تركيا كمركز طاقة حيويّ مع وصول مباشر إلى تركيا، مما قد يُحقق عائدات نقل سنوية تتراوح بين 10 و15 مليار دولار بحلول عام 2030، لافتا إلى أن شركات الطاقة الكبرى تستعد لاغتنام الفرص، وعلى سبيل المثال توسّع شركة النفط والغاز الأذرية (سوكار) سعة خطوط الأنابيب، بينما تستكشف أدنوك مشاريع مشتركة لإنتاج الهيدروجين. وتتوقع شركتا بي بي وشيفرون زيادة فى استثمارات المنبع تتراوح بين 5 و10 مليارات دولار نتيجةً لتوسيع طاقة التصدير. ومع ذلك، قد تُفاقم الجمودات السياسية تكاليف المشاريع بنسبة 20%، فى حين قد تُؤجّل التأخيرات التنظيمية الجداول الزمنية إلى ما يتجاوز فرص الاستثمار المجدية وهو ما يندرج ضمن أهم التحديات.

الحسابات الجيوسياسية

رصد التقرير الذي أعدته «فوربس» شبكة الإعلام الاقتصادي الأمريكية العالمية أهم التحديات التي تواجه تنفيذ المشروع، لافتا إلى أن التحدي الأساسي يكمن فى مواقف متضاربة من دولتي أرمنيا وأزربيجان ، إذ تطالب أذربيجان بممرّ حرّ كثمرة لانتصارها العسكري عام ٢٠٢٣، بينما ترفض أرمينيا رفضًا قاطعًا التنازل عن سيادتها على ما تعتبره منطقةً حيوية، ومن ثم يمثل اقتراح «التأجير» الأمريكي محاولةً مبتكرةً لاستخدام أطر قانونية مؤسسية للالتفاف على هذا المأزق، حيث يُقدّم لــ «أزربيجان» ضمانات أمنية، بينما يسمح لــ «أرمنيا « بالحفاظ على سيادتها الشكلية.

وأكد التقرير أن هذا النهج يُستلهم من سوابق تاريخية، حيث نجحت ترتيبات حوكمة مبتكرة فى حل نزاعات تبدو مستعصية، ومثل قناة بنما تحت الإدارة الأمريكية من عام ١٩١٤ إلى عام ١٩٩٩، يَعِد هذا النموذج بتسهيل التجارة العالمية مع معالجة المخاوف الأمنية، ومع ذلك، يُحذّر المنتقدون من دلالات استعمارية جديدة محتملة، ومن خطر ردود فعل عكسية طويلة الأمد.

وبحسب التقرير شهدت مسودات اتفاقية السلام فى مارس ٢٠٢٥ تقدمًا ملحوظًا، حيث وضعت اللمسات الأخيرة على بنود الاعتراف المتبادل بالأراضي، وترسيم الحدود، وعدم استخدام القوة، ومع ذلك، فقد عرقلت الولايات المتحدة ضمانات النقل والوصول إلى المناطق المعزولة، وهو ما يسعى الاقتراح الأمريكي إلى تحقيقه تحديدًا.

الوضع الإقليمي

وفقا للتقرير تُضيف الحسابات الاستراتيجية التركية تعقيدًا إلى المعادلة، حيث تستكشف «أنقرة» خفض التصعيد الكردي من خلال حوارات مع حزب العمال الكردستاني، مما يُشير إلى «إعادة ضبط شاملة» من شأنها أن تُرسي الاستقرار على الحدود وتُطلق العنان للإمكانات الاقتصادية. يُمكن لهذا التقارب الدبلوماسي، فى حال نجاحه، أن يُكمل مبادرة «زانجيزور» من خلال تهيئة بيئة إقليمية أكثر استقرارًا لمشاريع البنية التحتية الكبرى.

تتوقع الشركات التركية فى مقاطعات شرق الأناضول زيادةً فى القدرة التصديرية بنسبة 310% - من 160 مليون دولار إلى 500 مليون دولار سنويًا - فى حال تنفيذ الممر، يُوفر هذا الزخم الاقتصادي حوافز قوية للمشاركة الدبلوماسية المُستدامة، حتى فى ظل الحساسيات السياسية المحلية.

المخاطر وتحديات التنفيذ

ووفقا للتقرير على الرغم من المؤشرات الاقتصادية القوية، إلا أنه لا تزال هناك مخاطر كبيرة قائمة، ويُقدّر المراقبون احتمال تعثر المحادثات بنسبة 60%، مما قد يُؤخر التنفيذ لمدة تتراوح بين 12 و18 شهرًا، وتُحذّر بيانات صادرة عن مؤسسة «لويدز» مؤسسة تأمين بريطانية من تقلبات فى أسعار السلع الأساسية بنسبة 20% فى حال فشل المفاوضات، بينما قد ترتفع أقساط التأمين بنسبة 20%.

ومن أهم التحديات بحسب التقرير نفي أرمينيا صراحةً أي مناقشات تتعلق بأي تأجير أو نقل للسيطرة الإقليمية، وصرحت السكرتيرة الصحفية «نازلي باغداساريان» بحزم أن «أرمينيا لم تناقش ولن تناقش نقل السيطرة السيادية على أراضيها السيادية إلى أي طرف ثالث»، مؤكدا أن هذا الرفض يُسلّط الضوء على التحدي الأساسي الذي يواجه الوسطاء الأمريكيين.

وأضاف أنه لا تزال جدوى الرقابة الدولية غير مؤكدة، لافتا الى أن تحليلات مركز «الدراسات الاستراتيجية والدولية» تُقدّر احتمالية النجاح بنسبة 40-50% فقط حتى مع ضمانات الأمم المتحدة، وهي عرضة لحق النقض الأرميني فى حال ما يُنظر إليه على أنه انتهاك للسيادة، ومن ثم يعتمد نجاح النموذج على معالجة المخاوف الأمنية الأساسية مع الحفاظ على شرعية دولية كافية.

التداعيات الإستراتيجية

وفقا للتقرير الممر أكثر من مجرد مشروع لتطوير البنية التحتية، حيث تُمثّل مبادرة «زانجيزور» اختبارًا أوسع للإبداع الدبلوماسي الأمريكي فى عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد، وسيُظهر النجاح قدرة واشنطن على صياغة حلول تُواجه النفوذ المنافس مع خدمة مصالح اقتصادية ملموسة، فيما يكشف الفشل عن تراجع قدرة الولايات المتحدة على صياغة النتائج فى المناطق المتنازع عليها.

وأضاف أنه بالنسبة للحلفاء الأوروبيين، يُتيح الممر مسارًا نحو تنويع حقيقي للطاقة. ويمكن أن تصل وفورات الطاقة فى الاتحاد الأوروبي إلى 20-30 مليار دولار بحلول عام 2030، مما يدعم التحولات نحو صافي صفر انبعاثات مع تقليل الاعتماد على الموردين الاستبداديين، وتُفسر هذه المكاسب سبب دعم العواصم الأوروبية للمبادرة الأمريكية بهدوء رغم الحذر العام بشأن التوترات الإقليمية.

ويختبر المشروع أيضًا مدى قدرة الحوافز الاقتصادية على التغلب على المظالم التاريخية. إن إمكانية حصول أرمينيا على 2.5 مليار دولار من أموال التنمية التابعة للاتحاد الأوروبي تُخلق حوافز قوية للتوصل إلى تسوية، ولكن فقط إذا حظيت المخاوف المتعلقة بالسيادة بالاهتمام الكافية.

الطريق إلى الأمام

بحلول عام 2027، يمكن أن يُحقق التنفيذ الناجح تدفقات تجارية سنوية تتراوح بين 20 و50 مليار دولار من خلال تعزيز سعة الممر الأوسط.

ويُقدر البنك الدولي سعة الشحن المحتملة بـ 11 مليون طن، مما يُغير اللوجستيات الأوراسية بشكل جذري. ومع ذلك، تظل هذه الجائزة مشروطة بتجاوز الحساسيات الأرمينية مع الحفاظ على الدعم الدولي.

لا يزال يتعين على قادة الشركات التحوط من تقلبات زانجيزور من خلال استراتيجيات متنوعة، وتحقيق مكاسب محتملة تتراوح بين 10% و15% من خلال الشراكات الأذربيجانية التركية، مع الاستعداد لاحتمالية الفشل الدبلوماسي.

ينبغي على الشركات إشراك الوسطاء الأمريكيين بفعالية للمساعدة فى تجاوز مخاطر السيادة، مع الاستعداد لتحقيق النجاح فى نهاية المطاف.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان