النيل بين ضفتي الوفاء والغدر

النيل بين ضفتي الوفاء والغدرأحمد النومي

الرأى17-8-2025 | 14:37

مِن أَيِّ عَهدٍ فى القُرى تَتَدَفَّقُ وَبِأَيِّ كَفٍّ فى المَدائِنِ تُغدِقُ
وَمِنَ السَماءِ نَزَلتَ أَم فُجِّرتَ مِن عَليا الجِنانِ جَداوِلاً تَتَرَقرَقُ
كلمات خالدة وصف بها الشاعر أحمد شوقى النيل، ذلك الحبل السري الذى منح المحروسة أكسير الحياة، فهو مصدر حضارتها ورمز عزتها وبصمة هويتها، وقدسيته تسرى فى جينات المصريين، وخلده الفراعنة بعروسة النيل وتقديم القرابين إلى «حابي» معبود الفيضان السنوي، ونظمت على شرفه الأشعار وكتبت فى جماله المعلقات وشدى بعظمته أهل الطرب، فصارت مصر هبة النيل.
صفحات التاريخ تروى أن النيل واجه أطماع من حاقدين، سعوا إلى قطع هذا الحبل السري عن المصريين، عبر أفكار شيطانية، ومشروعات تآمرية ، ويعد مشروع سد النهضة نموذجا لتلك المخططات رغم مزاعم التنمية، فالقاهرة تبنت القاعدة الذهبية
لا ضرر ولا ضرار، فإذا كانت التنمية ضرورة فالحق فى الحياة حتمية.
مزاعم التنمية تبخرت مثلما تتبخر مياه النيل، وبعد سنوات عجاف من المراوغات والتعنت والتهرب من توقيع اتفاقية قانونية ملزمة لإدارة وتشغيل السد تتسق مع صحيح قوانين الأنهار الدولية، سطعت شمس الحقيقة بأننا أمام مشروع سياسى لا تنموى، فلا كهرباء تولدت ولا تنمية بزغت، فالهدف حجز القرار السياسي المصرى خلف مياه السد، ورهنه بمساومات وابتزازات فى مراهقة سياسية لن تجدى مع القاهرة ، فالتاريخ يقول إن الفراعنة جيشوا الجيوش من أجل الدفاع عن شرف النيل، والدولة المصرية أنتهجت سياسة الصبر الاستراتيجي والنفس الطويل ولم تنجرف وراء حملات مشبوهة تدفعها لإصباغ النيل بلون الدماء فلكل حادثاً حديث.
ولعل تصريحات الرئيس السيسى على هامش لقائه مع الرئيس الأوغندي مؤخرا، تبرهن على أن الأيادى لا تزال ممدودة بالمحبة والسلام طالما لم تتجاوز الخط الأحمر وهو ضمان حصة مصر التاريخية من المياه، فما يتساقط على حوض النيل يتجاوز ١٦٠٠ مليار متر مكعب، وما يصل المحروسة هو نزر يسير لا تكفى لسد احتياجاتها المائية التى تقدر بحوالى ١١٤ مليار متر مكعب سنويا، فى حين تقدر الموارد المائية بنحو ٥٩.٦ مليار متر مكعب سنويا، كما تراجع نصيب الفرد إلى٥٠٠ متر مكعب سنويا.
رغبة القاهرة فى السيطرة على النيل هى أحاديث آفك، ولعل سجل التعاون المصري مع دول حوض النيل ناصع البياض، سواء إنشاء محطات رفع وحفر آبار مياه جوفية تعمل بالطاقة الشمسية، ومراكز للتنبؤ بالأمطار، بخلاف بناء السدود مثل سد أوين وخزان جبل الأولياء وسد واو وسد جوليوس.
النيل رمز للمحبة ودول حوض النيل فى حاجة إلى التعاون لا التناحر، فما يتساقط من مياه يكفى ويزيد ليروى ظمأ العطشى إذا توافرت الإرادة السياسية.

أضف تعليق

الأكاديمية العسكرية ومنظومة بناء الإنسان

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان