كثير من المصريين لم يتعاملوا يومًا بالدولار الأمريكى، ومنهم من لم يمسك بيده يوما هذه الورقة الخضراء، التى فرضت نفسها بقوة على المشهد الاقتصادى المصرى خلال الحقب والسنوات الماضية، وزاد تأثيرها بشكل كبير خلال العامين الأخيرين حتى بات سعر صرف الدولار مؤشرًا نفسيًا واقتصاديًا بالغ الأهمية يتابع الناس حركته لحظة بلحظة، ويلمسون بشدة تأثيره على الأسعار، خاصة فى ظل الأزمات التى ضربت العالم وعانى منها الاقتصاد المصرى، بداية من جائحة كورونا، ومرورًا بحرب روسيا وأوكرانيا، ووصولا إلى الحروب الإسرائيلية، وتأثيرها البالغ على بلادنا، والإقليم.
لكن، ثمة خبر سار طال انتظاره، فقد بدأ الجنيه يسترد بعضًا من عافيته أمام الدولار بعد رحلة طويلة من الانخفاض، بلغت ذروتها فى شهر أبريل الماضى عندما كسر سعر الدولار حاجز الـ 50 جنيها بجنيه ونصف تقريبا، وكان ذلك أدنى مستوى للجنيه منذ التحرير الأخير لسعر الصرف، لكن بعد هذا التاريخ (منتصف أبريل من هذا العام) عاد الجنيه يشق طريقه صاعدًا، وواصل صعوده على الرغم من تعرضه لبعض الضغوط مع تصاعد التوترات الجيوسياسية فى المنطقة.
وفى الوقت الذى نكتب فيه هذا السطور تشير البيانات، إلى أن سعر الدولار سجل أدنى مستوياته أمام الجنيه منذ شهر أكتوبر الماضى، بمتوسط سعر بلغ 48.5 جنيه، ولم يأت هذا مصادفة - كما يؤكد خبراء الاقتصاد - ولكن عزوه إلى عدة عوامل منها تراجع قيمة الدولار عالميًا فى ظل حالة من عدم اليقين ضربت الاقتصاد العالمى مع رئاسة ترامب للولايات المتحدة وتفجر الحروب التجارية، وعلى المستوى المحلى فقد عادت تحويلات المصريين بالخارج للارتفاع، وهى مصدر ثابت وموثوق للعملة الصعبة، كما ارتفعت عوائد السياحة، وحدث تحسن فى تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر، وتقدم ملموس فى برنامج الطروحات الحكومية، إضافة إلى ارتفاع جاذبية أدوات الدين الحكومية ذات العوائد المغرية التى وصلت إلى أكثر من 27.5%، وعليه فقد أعلنت الحكومة انتهاء أزمة السيولة الدولارية، وأشار
د. مصطفى مدبولى إلى تحسن الوضع النقدى، لكن خبراء الاقتصاد لا يزالوا ينبهون إلى أن التحديات الاقتصادية تظل قائمة، وأن أزمة الدولار قد تعود للظهور ما لم تُعالج جذورها بشكل شامل، والدولة لا تزال أمام التزامات ضخمة تشمل سداد أقساط وفوائد الديون، إضافة إلى تمويل برامج الدعم والإنفاق العام، وهى عناصر قد تعيد الضغط على احتياطى النقد الأجنبى وتؤثر مستقبلًا على سعر الصرف.
ويبقى أن تحسن الجنيه أمام الدولار وإن كان يمثل بارقة أمل فى طريق طويل نحو الاستقرار الاقتصادى، لكنه – فى التحليل الأخير – ليس إلا خطوة ضمن مسار أوسع يتطلب إصلاحات جذرية، واستراتيجية واضحة لتقوية مصادر النقد الأجنبى، من خلال بناء اقتصاد قوى ومستدام، يعزز مصادر الدخل القومى ويقلل الاعتماد على القروض، ويركز على نقاط القوة التى تميز مصر، وعلى رأسها السياحة، هذا المورد الذهبى الذى لا يزال ينتظر الاستثمار الأمثل، والأمل معقود على هذا المورد فى المستقبل القريب، خاصة مع افتتاح المتحف الكبير نهاية هذا العام.