على الرغم من دعم الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الراسخ لجرائم إسرائيل المتواصلة فى غزة ، إلا أن المثير للانتباه فى الولايات المتحدة حاليا هو توجيه الانتقادات لدولة الاحتلال بين أوساط الجمهوريين واليمين الأمريكى، ولا سيما حركة «ماجا» التى أطلقها ويتزعمها ترامب ، وهو ما أبرزته وسائل إعلام عالمية خلال الأيام الماضية، الأمر الذى طرح عدة تساؤلات بشأن إمكانية تأثير ذلك على موقف الرئيس الأمريكى من حرب الإبادة الحالية فى القطاع الفلسطينى.
فى هذا السياق، قالت مجلة «الإيكونوميست» إنه على الرغم من الجناح الراسخ فى الحزب الجمهورى الذى يقف إلى جانب إسرائيل فى معظمه دون توجيه أى انتقادات، إلا أن هناك وجهة نظر مختلفة ومتزايدة الوضوح بشأن تحالف أمريكا مع إسرائيل بدأت تنشأ بين الجمهوريين، ولا سيما من جانب بعض الأتباع البارزين لحركة «ماجا» (لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) التى يتبناها ترامب.
وأشارت المجلة البريطانية فى تقريرها، إلى البيان المفاجئ الذى نشرته مارجورى تايلور جرين، عضوة الكونجرس الجمهورية عن جورجيا، على موقع «إكس» فى 31 يوليو الماضى، والذى قالت فيه: «بالطبع نحن ضد الإرهاب المتطرف، لكننا أيضًا ضد الإبادة الجماعية».
وأضافت، أن استخدام جرين لكلمة «إبادة جماعية»، الشائعة بين يسار الحزب الديمقراطى، لم تكن من قبيل الخطأً، حيث تساءلت أيضًا عما إذا كان قتل الأبرياء بسبب هويتهم ليس «تعريفًا للإبادة الجماعية».
كما بدأ توجيه الانتقادات لتحالف أمريكا مع إسرائيل يتردد صداه أيضًا بين مذيعين مؤثرين بحركة «ماجا»، من بينهم تاكر كارلسون ومات جيتز وجو روجان.
وأشار مؤثرون، مثل ستيف بانون، المستشار السابق لترامب خلال ولايته الأولى، إلى أن الآراء حول التحالف الأمريكى مع إسرائيل تتغير داخل ائتلاف ترامب الانتخابى «ماجا»، وصرح لصحيفة «بوليتيكو» الأمريكية قائلا: «يبدو أن إسرائيل لا تحظى بأى دعم يُذكر بين مؤيدى تيار ماجا الذين تقل أعمارهم عن 30 عاما، وأن محاولة نتنياهو إنقاذ نفسه سياسيًا بجر أمريكا إلى حرب أخرى فى الشرق الأوسط قد أبعدت شريحة كبيرة من مؤيدى حركة «ماجا» الأكبر سنًا».
ووفقًا لأحدث استطلاعات الرأى التى أجرتها شركة «يوجوف» لصالح مجلة «الإيكونوميست»، لا يزال الدعم ل إسرائيل قويًا بين أولئك الذين يطلقون على أنفسهم «المحافظين» أو «المحافظين للغاية» لكنه آخذ فى الانخفاض.
وأشار استطلاع رأى أجرته مؤسسة بيو، ونُشر فى أبريل الماضى إلى أن الآراء غير الداعمة ل إسرائيل كانت أكثر وضوحًا بين الجمهوريين الشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عامًا.
وتقول «الإيكونوميست» إن الفجوة العمرية قد تعكس تأثير صور المعاناة فى غزة على وسائل التواصل الاجتماعى، والتى يراها الناخبون الأصغر سنًا.
ورأت كذلك أن الذى يدفع الجزء الأعظم من المتشككين داخل حركة ماجا حيال التحالف مع إسرائيل هو على ما يبدو الخوف من التورط، حيث برزت نقطة التحول خلال الحرب التى استمرت 12 يومًا بين إسرائيل وإيران فى يونيو الماضى، فقد كانت جرين وكارلسون وبانون، من بين الذين حذروا من أن أمريكا تُخاطر بالانجرار إلى حرب كارثية أخرى ومكلفة فى الشرق الأوسط. وبعد ذلك، بدا أن انتقاد الدعم ل إسرائيل أصبح مسموحاً به على أساس مبدأ «أمريكا أولاً».
فى السياق ذاته، قال موقع «أكسيوس» إن الحزب الجمهورى، الداعم التقليدى لإسرائيل، يسارع لاحتواء تمرد داخلى بين أوساط الشباب فى حركة «ماجا» حول المعنى الحقيقى لمبدأ «أمريكا أولا»، مشيرا إلى أن مشاهد المجاعة فى غزة جعلت من حركة «ماجا»، مركزا غير متوقع لإعادة النظر فى علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل.
وكشف الموقع الأمريكى، أن عدد الشباب المحافظين من الجيل «زد» (الجيل من الأشخاص الذين وُلدوا تقريبا من منتصف التسعينيات إلى أوائل 2010) الذين يرون أن إسرائيل مجرد حليف آخر يستغل كرم أمريكا، آخذ فى التزايد، خصوصا أنهم لم يتأثروا بالخلفيات التاريخية التى شكلت مواقف الجمهوريين الأكبر سنا.
وأضاف، أن العديد من أنصار ترامب الشباب منخرطون فى نقاش حقيقى حول ما إذا كان إرسال مليارات الدولارات إلى إسرائيل يتماشى مع مبدأ «أمريكا أولا».
وتابع أن الصور المروعة فى غزة، إلى جانب القصف الإسرائيلى للكنيسة الكاثوليكية الشهر الماضى، وهجمات المستوطنين الإسرائيليين على مجتمعات مسيحية فى الضفة الغربية، زادت من نقمة مؤيدى «ماجا» تجاه إسرائيل.
وخلص «أكسيوس» إلى أن إعادة تنظيم صفوف الحزب الجمهورى، بالتوازى مع رفض الديمقراطيين الواسع للحرب فى غزة، من شأنه أن يهدد أسس ومستقبل التحالف الأمريكى المستمر منذ عقود مع إسرائيل.
من جانبه، قال موقع «يورونيوز» إنه فى ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، وتوالى الصور التى توثق المجاعة والدمار على وسائل التواصل الاجتماعى، إضافة إلى استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلى لأهداف مسيحية، بدأت مؤشرات التصدع تظهر فى الدعم التقليدى والثابت الذى لطالما قدمه اليمين الأمريكى لإسرائيل، حيث بدأ عدد من المعلقين المحافظين بالتراجع عن تأييدهم للحرب، فيما وجه السفير الأمريكى لدى إسرائيل انتقادات حادة للمستوطنين فى الضفة الغربية، واصفًا بعض أفعالهم بأنها «إرهابية».
وقد أعرب المعلق اليمينى الكاثوليكى مايكل نولز، عن خيبة أمله من أداء الحكومة الإسرائيلية، قائلًا: «كنت داعمًا بشكل عام لدولة إسرائيل... لكنكم تخسروننى». وأضاف: «يجب أن تنتهى الحرب. إلى متى ستستمر؟ أمريكا هى الصديق الوحيد لإسرائيل، ولا أفهم ما تفعله الحكومة الإسرائيلية هنا».
كما رفض جو روجن، مقدم بودكاست أمريكى معروف، والذى أيد ترامب سابقًا، استضافة نتنياهو فى برنامجه، بحسب ما أفاد به يائير نتنياهو، نجل رئيس الوزراء الإسرائيلى. كما نشر روس دوثات، كاتب الرأى المحافظ فى «نيويورك تايمز»، مقال رأى قال فيه إن العملية العسكرية الإسرائيلية باتت «غير عادلة».
ووفق «يورونيوز»، يعكس هذا التململ أيضًا تغيرًا فى الرأى العام الأمريكى، فقد أظهر استطلاع أجرته شبكة «سى إن إن» تراجعًا ملموسًا فى تأييد الأمريكيين ل إسرائيل منذ اندلاع الحرب.
ورغم أن التراجع كان أوضح بين الديمقراطيين والمستقلين، إلا أن نسبة الجمهوريين الذين يعتبرون أفعال إسرائيل مبررة انخفضت من 68% عام 2023 إلى 52%.
واختتم «أكسيوس» تقريره بالقول بأنه رغم أن هذه التحولات لا تزال فى بدايتها، إلا أن مؤشرات الشك والتململ بدأت تتغلغل فى أوساط التيار المحافظ، وخصوصًا ضمن دوائر الشباب والنشطاء والموظفين السياسيين، وبدأت تتشكل مساحة داخل أوساط اليمين الأمريكى لإعادة تقييم علاقة لطالما اعتبرت ثابتة.
وعن تأثير ذلك على موقف الإدارة الأمريكية، نقلت مجلة «نيوزويك» عن تشاندلر جيمس، أستاذ العلوم السياسية فى جامعة أوريجون الأمريكية، اعتقاده بأن إذا استمرت قاعدة الحزب الجمهورى فى التحول ضد إسرائيل، فقد يتسبب ذلك فى بعض التغييرات فى نهج إدارة ترامب تجاه الصراع، لأن الرئيس «حساس للرأى العام».
وقال جيمس إن الرئيس الأمريكى قد يمارس ضغوطًا أكبر على إسرائيل لتحسين الأوضاع فى غزة، إلا أنه، مع ذلك، شكك فى حدوث «تغييرات جذرية» نظرًا لدعم ترامب الراسخ لإسرائيل.