تواصل مصر تقديم المساعدات الإنسانية لأهالي غزة لمحاولة تخفيف الكارثة الإنسانية المروعة بالقطاع، في ظل غطرسة وصلف من الجانب الإسرائيلي بغلق معبر رفح من الجانب الفلسطيني للاستمرار في تجويع أبناء غزة الصامدين على أراضيهم والرافضين تنفيذ مخطط تل أبيب بتصفية القضية الفلسطينية عن طريق تطبيق التهجير القسري .
من أمام معبر رفح تحركت نهاية الأسبوع الماضي ثلاثة أفواج من القافلة الرابعة عشرة للمساعدات الإنسانية إلى معبر كرم أبو سالم الواقع جنوب قطاع غزة ، عند نقطة الالتقاء بين الحدود المصرية – الفلسطينية، وهي ضمن جهود السلطات المصرية لتقديم أكبر قدر ممكن من الدعم الإغاثي لسكان القطاع في ظل الأزمة الإنسانية المتفاقمة التي يواجهونها جراء الحصار والعدوان الإسرائيلي المستمر.
حملت الشاحنات آلاف السلال الغذائية التى جهزها الهلال الأحمر المصري، بالإضافة إلى مئات الأطنان من المستلزمات الطبية والعلاجية، ويتم التنسيق بشكل يومى بين الهلال الأحمر المصرى ونظيره الفلسطينى لتحديد الأولويات الملحّة، وعلى رأسها الأدوية والمواد الغذائية الأساسية، بهدف تخفيف المعاناة الإنسانية عن سكان غزة الذين يعيشون ظروفًا كارثية بفعل الحصار الذى يفرضه الاحتلال الإسرائيلى منذ السابع من أكتوبر 2023.
وتخضع الشاحنات لآلية فحص وتدقيق صارمة من قبل سلطات الاحتلال فى معبر كرم أبو سالم ضمن العراقيل التى يفرضهــا الاحتـــلال لمنع دخول المساعدات وتأخير عملية الإغاثة، مـــا يفاقـــم الوضـــع الإنسانى فى القطاع.
تضم القافلة إلى مئات الأطنان من الأدوية والمعدات الطبية، مستلزمات الحياة الأساسية مثل الدقيق، الخبــز، البقوليات، وأدوات النظافــة الشخصية.
وانطلق صباح الأربعاء الماضى الفوج الأول من القافلة الرابعة عشرة ضمن مبادرة « زاد العزة.. من مصر إلى غزة»، التى أطلقها الهلال الأحمر المصرى فى 27 يوليو الماضي.
يذكر أن العديد من الشاحنات التى تدخل القطاع تعود دون تفريغ حمولتها، بسبب العراقيل التى تفرضها سلطات الاحتلال، وخلال الأيام الماضية، تم رفض ما يقرب من نصف الشاحنات التى تم السماح لها بالدخول، وهو ما يعكس التحديات اليومية التى تواجهها القوافل الإغاثية.
ورغم ذلك، تستمر عمليات التنسيق بين الهلال الأحمر المصرى ونظيره الفلسطيني، وكذلك مع قوات الاحتلال لضمان التزام المساعدات بالمعايير المطلوبة وتسهيل دخولها إلى غزة.
ولا ينسق الهلال الأحمر المصرى فقط على شاحناته الخاصة، بل يعمل ضمن آلية وطنية لتنسيق دخول كل أنواع المساعدات عبر معبر كرم
أبو سالم، بما يشمل شاحنات منظمات أممية مثل «الصحة العالمية» و«اليونيسف»، إلى جانب شاحنات التحالف الوطنى للعمل الأهلى التنموي.
وكان التحالف أطلق قافلته الحادية عشرة قبل أيام، حيث تدخل يوميًا ما بين 20 إلى 25 شاحنة، ضمن جهوده المستمرة منذ بدء الحرب، والتى أسفرت عن إدخال نحو 63 ألف طن من المساعدات المتنوعة، من طحين وأدوية وخيام إلى مستلزمات طبية ومعدات للمستشفيات.
ويواصل الهلال الأحمر المصري، إطلاق قوافل « زاد العزة.. من مصر إلى غزة»، حيث دفع الثلاثاء الماضي، بعدد من شاحنات المساعدات الغذائية والطبية فى اتجاه جنوب القطاع، عبر معبر كرم أبو سالم، وذلك فى إطار جهوده المتواصلة كآلية وطنية لتنسيق المساعدات إلى غزة.
يشار إلى أن القافلة الـ 13 من « زاد العزة» تشمل نحو 3450 طنا من المساعدات الإغاثية العاجلة إلى غزة، والتى ضمت ما يزيد على 3400 طن سلال غذائية ودقيق، إضافة إلى مستلزمات طبية متنوعة يحتاجها القطاع.
كانت قافلة المساعدات الإنسانية الـ14 ضمن مبادرة « زاد العزة من مصر إلى غزة» انطلقت إلى قطاع غزة عبر منفذ كرم أبو سالم جنوب ميناء رفح البرى.
وقال مصدر مسئول بميناء رفح البرى إن القافلة تحمل آلاف الأطنان من المساعدات الغذائية والإغاثية العاجلة إلى غزة، والتى تضم السلال الغذائية والدقيق والبقوليات والوجبات المعلبة والمستلزمات الطبية ومستلزمات العناية الشخصية، وألبان الأطفال والمياه وغيرها.
ويأتى ذلك فى إطار الجهود المستمرة التى تبذلها مصر لدعم الشعب الفلسطينى فى ظل الأوضاع الإنسانية المتدهورة فى القطاع.
كانت قوات الاحتلال الإسرائيلى أغلقت المنافذ التى تربط قطاع غزة منذ يوم 2 مارس الماضى بعد انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار ب غزة وعدم التوصل لاتفاق لتثبيت وقف إطلاق النار، واخترقت الهدنة بقصف جوى عنيف يوم 18 مارس الماضى وأعادت التوغل بريا بمناطق متفرقة بقطاع غزة كانت قد انسحبت منها.
كما منعت سلطات الاحتلال دخول شاحنات المساعدات الإنسانية والوقود ومستلزمات إيواء النازحين الذين فقدوا بيوتهم بسبب الحرب على غزة؛ ورفضت إدخال المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الركام وإعادة الإعمار إلى قطاع غزة.
وفى مايو الماضي، أدخلت سلطات الاحتلال كميات محدودة من المساعدات لا تفى بالحد الأدنى من احتياجات سكان القطاع، وفق آلية نفذتها بالتعاون مع شركة أمنية أمريكية رغم رفض منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية الأخرى ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» لتلك الآلية لمخالفتها للآليات الدولية المستقرة بهذا الشأن.
ومنذ اندلاع العدوان الإسرائيلى فى أكتوبر 2023، كثفت الدولة المصرية بقيادة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي جهودها الإنسانية والدبلوماسية لدعم غزة، وقد بلغ حجم المساعدات الإنسانية التى قدمتها مصر أكثر من 11,200 طن، بالإضافة إلى 7 آلاف طن من المساعدات الطبية، كما استقبلت مصر أكثر من 8,200 مصاب عبر معبر رفح، وساهمت فى تجهيز آلاف من الأطقم الطبية لخدمة المصابين.
على صعيد متصل، حذر ممثل منظمة الصحة العالمية فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، من أن الوضع الصحى العام فى قطاع غزة يعد «كارثياً»، لافتاً إلى نفاد أكثر من نصف الأدوية من القطاع.
كما أشار إلى أن المنظمة تمكنت من إدخال إمدادات طبية، لكنها أقل من الحاجة فى القطاع، مشددًا على أن التجويع وسوء التغذية لا يزالان يدمّران قطاع غزة.
وكان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، أعلن فى 7 أغسطس أن قطاع غزة سجل فى يوليو أعلى معدل شهرى على الإطلاق لحالات سوء التغذية الحاد بين الأطفال، منذ بدء الحرب فى أكتوبر 2023.
كما أوضح غيبريسوس أن 99 شخصًا على الأقل لقوا حتفهم نتيجة سوء التغذية منذ بداية عام 2025 وحتى 29 يوليو الفائت، من بينهم 64 بالغاً و35 طفلاً، بينهم 29 طفلاً دون سن الخامسة.
وقال ممثل منظمة الصحة العالمية فى الأرض الفلسطينية المحتلة إن الأوضاع الصحية فى غزة مأساة كبيرة، حيث تعمل المستشفيات بما يفوق طاقتها القصوى، فى ظل النفاد التام لبعض الأدوية المنقذة للحياة وتزايد الوفيات الناجمة عن سوء التغذية والأمراض.
وقال الدكتور ريك بيبركورن إن أقل من نصف مستشفيات غزة وأقل من 38% من مراكز الرعاية الصحية الأولية تعمل جزئيا – أو بمستويات دنيا.
وقال بيبركورن: «يستمر النقص الحاد فى الأدوية والمستلزمات الطبية، وقد تفاقم، حيث وصل مخزون 52% من الأدوية و68% من المستلزمات الطبية إلى الصفر».
وقال إن المستشفيات تعانى من ضغط شديد بسبب الإصابات فى مناطق توزيع الغذاء، مما يُسبب أيضا نقصا مستمرا فى الدم والبلازما، وأشار إلى مقتل ما لا يقل عن 1655 شخصا فى تلك المناطق وإصابة أكثر من 11800 شخص منذ 27 مايو.
وقد تفاقمت الأزمة بسبب أوامر الإجلاء فى مدينة غزة، والتى وضعت الآن مستودع منظمة الصحة العالمية فى منطقة إخلاء، كما تقع المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية ومرافق الإسعاف داخل هذه المناطق أو بالقرب منها، مما يُهدد بمزيد من التعطيل للخدمات.
بلغت حالات التهاب السحايا المشتبه بها 452 حالة بين يوليو وأوائل أغسطس وهو أعلى رقم منذ بدء مجازر الاحتلال فى غزة، كما ارتفعت الإصابات بمتلازمة غيلان باريه، وهى مرض عصبى ومناعى يصيب الجهاز العصبى ويسبب شللا عضليا تدريجيا، حيث سُجلت 76 حالة مشتبه بها منذ يونيو.
وأكد الدكتور بيبركورن أن علاج كلتا الحالتين أصعب بسبب انعدام مخزون الأدوية الحيوية، بما فى ذلك الجلوبولين المناعى الوريدى ومضادات الالتهاب.
لا يزال وصول الفرق الطبية الدولية والإمدادات الطبية يشكل عقبة رئيسية، وأشار الدكتور بيبركورن إلى رفض دخول المسعفين الدوليين، وتعطيل دخول مواد أساسية مثل معدات العناية المركزة وأجهزة التخدير ولوازم سلسلة التبريد.
ورغم أن منظمة الصحة العالمية تمكنت من إدخال 80 شاحنة من الإمدادات الطبية منذ يونيو، إلا أنه شدد على أن الإجراءات بطيئة وغير متوقعة، حيث تتأخر أو تُرفض العديد من الشحنات.
وقال: «نحتاج إلى فتح العديد من المعابر المؤدية إلى غزة، وتبسيط الإجراءات، ورفع عوائق الوصول. نسمع عن السماح بدخول مزيد من الإمدادات الإنسانية، لكن هذا لا يحدث، أو يحدث ببطء شديد».
وقالت دكتورة حنان بلخي، المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية، إنها استمعت إلى «شهادات مروعة» عن إساءة معاملة موظفين بمنظمة الصحة العالمية وأسرهم أثناء الهجوم الإسرائيلى الأخير على دار ضيافة المنظمة فى دير البلح، وسط قطاع غزة، الذى قُصف 3 مرات، وأُخلى بالقوة ودُمر.
وقالت الدكتورة بلخي، إن أحد الزملاء لا يزال محتجزا وطالبت بالإفراج الفورى عنه.
وأكدت أن موظفى منظمة الصحة العالمية فى غزة - ورغم الصدمات والعنف – يواصلون خدمة المحتاجين.
وقالت موجهة كلامها لهم: «شكرا لشجاعتكم والتزامكم الثابت بالمبادئ الإنسانية، يجب ألا يخذلكم العالم، ويجب ألا يخذل أهل غزة».
ودعت بلخى مجددا إلى حماية المدنيين والرعاية الطبية وعاملى الإغاثة، وتوصيل المساعدات بشكل عاجل وبدون عوائق على نطاق واسع إلى غزة وبأنحائها.
وحذر برنامج الأغذية العالمى من وصول الجوع وسوء التغذية فى غزة إلى أعلى مستوياتهما منذ بدء هذا الصراع فى أكتوبر 2023.
وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن الإمدادات الإنسانية التى تدخل القطاع لا تزال أقل من الحد الأدنى المطلوب لتلبية الاحتياجات الهائلة.
وأضاف: «نحن وشركاؤنا نواصل فعل كل ما يمكن لإدخال المساعدات إلى غزة، ولكن التحركات الإنسانية لا تزال تواجه تأخيرات كبيرة وعوائق أخرى تمنعنا من توصيل المساعدات على النطاق الواسع المطلوب».
وقال إن جهود تنسيق التحركات الإنسانية غالبا ما تتأخر لساعات بسبب عدم القدرة على معرفة متى يمكن أن تصدر التصاريح من السلطات الإسرائيلية، بما يهدر وقتا ثمينا.