مواصلا مسلسل قراراته المثيرة للجدل، قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نشر المئات من قوات الحرس الوطنى في منطقة واشنطن العاصمة، ووضع إدارة شرطة المدينة التى يقودها الديمقراطيون تحت السيطرة الفيدرالية للحد مما وصفه بـ «حالة طوارئ تتعلق بالجريمة والتشرد»، وهو ما ينفيه المعارضون للقرار، مؤكدين أن قرار ترامب يشكل انتهاكا لمبادئ الديمقراطية وسابقة وطنية خطيرة، وأن الهدف الحقيقى من ورائه هو هدف سياسي.
فى خطوة غير مسبوقة فى تاريخ الرئاسة الأمريكية ، أعلن ترامب فى 11 أغسطس، أنه سيفعل قانون الحكم الذاتى لمقاطعة كولومبيا- المعروفة أيضًا باسم واشنطن العاصمة، العاصمة الفيدرالية للولايات المتحدة، وهى ليست ولاية، بل هى منطقة مخصصة كمقر للحكومة الفيدرالية وهو القانون الذى وقعه الرئيس الجمهورى الأسبق ريتشارد نيكسون عام 1973، وبموجبه تم منح المدينة مزيداً من السيطرة المحلية، لكنه أبقى سلطات مهمة بيد الرئيس و الكونجرس ، بما فى ذلك إمكانية تولّى الحكومة الفيدرالية السيطرة على جهاز الشرطة ، وهى صلاحية لم يسبق لأى رئيس أن استخدمها حتى الآن، والسماح للرئيس باستدعاء الحرس الوطنى ، وهو ما فعلته إدارة ترامب خلال احتجاجات حركة «حياة السود مهمة» فى عام 2020، وكذلك فى السادس من يناير 2021، أثناء اقتحام أنصار ترامب مقر مبنى الكابيتول.
وبرر ترامب قراره بضرورة مواجهة «عصابات ومجرمين خطيرين»، مشيرا إلى عدد من الحوادث البارزة الأخيرة، ملمحا إلى إمكانية اتخاذ إجراءات مماثلة فى مدن أخرى يسيطر عليها الديمقراطيون بحجة معدلات الجريمة المرتفعة هناك.
من جانبها، وصفت عمدة واشنطن الديمقراطية، موريل باوزر، استيلاء الرئيس على شرطة المدينة، بأنه «أمر غير مسبوق»، موضحة أن معدلات الجريمة العنيفة فى العاصمة انخفضت فى عام 2024 إلى أدنى مستوياتها خلال 30 عاماً، بعد ارتفاعها فى عام 2023، حسب بيانات وزارة العدل.
قرار الرئيس الأمريكى أثار حالة واسعة من الجدل والانتقادات داخل الولايات المتحدة، وهو ما أبرزته وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية، وفى هذا السياق، قالت مونيكا هوبكنز، المديرة التنفيذية لمنظمة الحريات المدنية الأمريكية فى واشنطن، لوكالة «أسوشيتد برس» إن المادة (740) من قانون الحكم الذاتى تسمح للرئيس بالسيطرة على إدارة شرطة العاصمة لمدة 48 ساعة قابلة للتمديد إلى 30 يوماً فى حالات الطوارئ، لكن هذه الخطوة لم يقدم عليها أى رئيس أمريكى من قبل. وحذرت هوبكنز من أن الخطوات التى اتخذها ترامب فى العاصمة قد تشكل سابقة لتحركات مماثلة فى مدن أخرى.
وقالت وكالة «رويترز»، إن القرار يمثل أحدث تحرك للرئيس الجمهورى نحو التدخل فى شئون المدن ذات الميول الديمقراطية، فى وقت يواجه فيه اتهامات بـ «اختلاق أزمة» لتبرير توسيع صلاحياته الرئاسية.
فى السياق ذاته، قالت شبكة «سى إن إن» فى تقرير لها، إن الرئيس دونالد ترامب يتحرك بشكل ممنهج لتعزيز قبضته على المدن الكبرى ذات التوجهات الديمقراطية- المركز الجغرافى لمقاومة أجندته- من خلال تقويض استقلاليتها ومحو قوتها السياسية.
وأضافت، أن المبادرة البارزة التى أطلقها ترامب فى الأيام الأخيرة للسيطرة على قوة إنفاذ القانون فى واشنطن العاصمة، تزيد من الضغوط التى يفرضها ترامب بالفعل على المدن الكبرى من خلال أجندة تتضمن فرض تنفيذ قوانين الهجرة باستخدام إجراءات عنيفة، وخفض التمويل الفيدرالى المخصص لأبحاث الجامعات والتى تشكل عنصرا أساسيا فى اقتصاد العديد من المدن الكبرى، والتهديدات بإلغاء التمويل الفيدرالى للسلطات القضائية التى تقاوم مطالبه بفرض سياسات محافظة على قطاعات الهجرة والتعليم والتشرد والشرطة.
ونقلت صحيفة «الجارديان» البريطانية، عن قادة المدن الديمقراطية إن هناك طرقًا مناسبة للحكومة الفيدرالية للشراكة معهم لمعالجة قضايا مثل الجريمة، لكن ترامب يستخدم ذريعة الجريمة والاضطرابات لتجاوز سلطتهم المحلية، وخلق الفوضى، وصرف الانتباه عن دورة الأخبار المؤلمة حول علاقاته بجيفرى إبستين، وفق تعبيرهم.
وإلى جانب رغبة ترامب فى تعزيز قبضته على المدن الكبرى ذات التوجهات الديمقراطية، أعرب الكثير من المنتقدين لقرار ترامب عن اعتقادهم بأن عملية الاستحواذ على واشنطن العاصمة هى محاولة لصرف الانتباه عن طريقة تعامل إدارة ترامب مع الوثائق المتعلقة بالجرائم الجنسية التى ارتكبها رجل الأعمال الراحل جيفرى إبستين، أو ما يعرف بـ «ملفات إبستين».
وفى هذا الإطار، انتقد بيت بوتيجيج، وزير النقل فى عهد الرئيس السابق جو بايدن، استيلاء الحكومة الفيدرالية على شرطة واشنطن العاصمة، قائلا فى مقطع فيديو نُشر على موقع «إكس»: «إن الرئيس يفعل هذا ليس بهدف جعل المدينة أكثر أمانًا- فهذه مهمة جهات إنفاذ القانون المحلية- بل لحل مشاكله السياسية، فهو بحاجة لجعل قاعدته السياسة تتحدث وتفكر فى أمر آخر غير رفضه للكشف عن ملفات إبستين لأنه متورط فيها»، حسب صحيفة «الإندبندنت» البريطانية.
وكتبت السيناتور الديمقراطية باتى موراى، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية واشنطن، عن ترامب، قائلة: «إنه ديكتاتور طامح مثير للشفقة يريد صرف انتباهكم عن صلته بملفات إبستين، والأسعار الباهظة، وقلة فرص العمل. لا تدعوه يفعل ذلك».
نفس الاعتقاد أعرب عنه إريك سوالويل، النائب الديمقراطى عن ولاية كاليفورنيا، قائلا: «إن استيلاء ترامب الفيدرالى على العاصمة واشنطن لا يتعلق بالسلامة، بل يتعلق بتشتيت انتباه الأمريكيين عن الأسعار المرتفعة، والتقرير السيئ عن الوظائف، والاقتصاد المتدهور، وملفات إبستين».
وكانت وزارة العدل الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالى أصدرا الشهر الماضى مذكرة تفيد بأنه لا يوجد دليل على احتفاظ إبستين بـ «قائمة عملاء» من شخصيات نافذة ربما شاركت فى جرائمه، وأن إبستين مات منتحرًا بالفعل فى أحد سجون نيويورك عام 2019- خلافا للشكوك بأنه مات مقتولا للتغطية على المتورطين معه من الشخصيات البارزة- وأنه لن يكون هناك أى إفصاح إضافى عن أية معلومات تتعلق بالقضية، ما أثار موجة من الغضب الجارف ضد الرئيس الأمريكى، حتى بين قاعدته السياسية، و أثار الشكوك بشأن وجود اسم الرئيس الأمريكى فى الملفات، خاصة بعد أن ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن مسئولين فى وزارة العدل أبلغوا ترامب فى وقت سابق من هذا العام أن اسمه، من بين أسماء أخرى، ورد فى «ملفات إبستين».
ومن المعروف أن ترامب وإبستين كانا صديقين لقرابة
20 عاما، وحضرا مناسبات عديدة سويا، وجرت مشاهدتهما فى عدة صور تجمعهما، كما سافر ترامب على متن طائرة إبستين الخاصة عدة مرات. لكن لم يتم اتهام ترامب بارتكاب أى مخالفات فيما يتعلق بإبستين أو جرائمه.