يبدو عنوان المقال مثيراً للانتباه، إذ أن كلمة أو مصطلح "الهروب" يعني الابتعاد أو الفرار من شيء ما، مثل خطر أو مسؤولية أو موقف، سواء كان ذلك بشكل متعمد أو غير متعمد، ولكن المعنى المقصود هنا هو الهروب إلى الداخل وتدفق الاستثمارات الأجنبية، حيث الأمن والأمان والاستقرار والحوافز والفرص الاستثمارية في سلطنة عُمان.
لم يأتي هذا التدفق الاستثماري إلى الأراضي العُمانية وليد اللحظة أو الصدفة البحتة، إنما جاء بعد دراسات استراتيجية وخطط اقتصادية وبيئة استثمارية مهيأة أعدتها بكل احترافية الحكومة العُمانية على مدار ست سنوات من أجل استيعاب طموحات المستثمرين العرب والأجانب.
فقد عكفت وزارة الاقتصاد العُمانية طوال الفترة الماضية على تنفيذ استراتيجية التنويع الاقتصادي ومبادرات وبرامج الاستدامة المالية والاقتصادية والذي حقق نتائج متزايدة في ترسيخ الثقة بالاستثمار في سلطنة عُمان وتعزيز مكانتها كوجهة استثمارية جاذبة وفق أفضل الممارسات العالمية.
فقد أحرزت عُمان تقدمًا واضحًا خلال السنوات الماضية من تنفيذ رؤية عُمان المستقبلية 2040 متمثلاً في تحسين مؤشرات الاستقرار المالي وخفض الدين العام ورفع التصنيف الائتماني السيادي إلى درجة الجدارة الاستثمارية، والحفاظ على زخم جيد لنمو الاقتصاد الوطني وتعزيز أداء القطاعات غير النفطية.
وأبدت عُمان التزامًا جادًا بتنفيذ المبادرات والسياسات المحفِّزة للاستثمار وتطوير التشريعات المنظمة لبيئة الأعمال، مما يُسهم في رفع متواصل لمؤشرات تنافسية الاقتصاد، وتعزيز جلب الاستثمارات النوعية للقطاعات المستهدفة في استراتيجية التنويع الاقتصادي.
جاء ذلك إنطلاقاً من قناعات عُمان الاقتصادية من أن رفع كفاءة وتعزيز أداء القطاع المالي وسوق رأس المال، يمثِّل ركيزة أساسية لاستمرار التقدم في جهود ومبادرات الاستدامة المالية والاقتصادية، ومن خلال زيادة جذب الاستثمارات وتعزيز دور القطاع الخاص ودعم نمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والناشئة، وزيادة وتنويع خيارات التمويل المتاحة لهذه المؤسسات، ضمن البرامج الوطنية التي تستهدف تسريع تنفيذ مستهدفات التنويع الاقتصادي خلال خطة التنمية الخمسية العاشرة 2021-2025.
كما أنه من خلال البرنامج الوطني العُماني "استدامة" تم تحقيق مستهدفات مهمة في دعم بورصة مسقط ووضعها على مسار يواكب النمو الإيجابي للاقتصاد العُماني، ويعزِّز سعيها للترقي إلى بورصة ناشئة.
ولا شك أن التزام عُمان بالتعزيز المتواصل لبيئة الاستثمار وتحفيز جلب الاستثمارات، وتمكين القطاع الخاص وزيادة دوره كمحرِّك للنمو وتوليد فرص العمل، تبلور في شكل حزمة الحوافز التي يقدمها البرنامج الوطني "استدامة" لشركات القطاع الخاص الراغبة في الاستفادة من البرنامج والإدراج في بورصة مسقط.
فضلاً عن ذلك، فإن هذه الطموحات الاقتصادية تنجسم وتتناغم مع خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة لسلطنة عُمان (2026-2030) وهي الخطة التنفيذية الثانية لرؤية " عُمان 2040"، والتي تم إعدادها بمنهجية علمية وتشاركية شاملة بالتعاون بين مختلف الجهات الحكومية والخاصة والمجتمع المدني. وتركز الخطة على تحقيق تنمية متوازنة في جميع المحافظات من خلال تمكين الإدارات المحلية وتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع تستند إلى الميزات النسبية لكل محافظة، بهدف تعزيز الاستدامة ودعم النمو الاقتصادي والاجتماعي الشامل.
وفي إطار تنفيذ استراتيجيتها الاستثمارية وجذب المستثمرين ، أطلقت سلطنة عُمان في 31 أغسطس 2025، برنامج الإقامة الذهبية (Golden Visa) في خطوة بارزة تهدف إلى ترسيخ مكانة السلطنة كمركز للاستثمار والابتكار والفرص.
يُعد هذا البرنامج مختلفًا عن المبادرات التقليدية للإقامة، حيث يأتي منسجمًا مع "رؤية عُمان 2040"، التي تمثل خارطة الطريق الوطنية لتنويع الاقتصاد، وتسريع التحول الرقمي، وبناء مستقبل مستدام. ويمثل البرنامج الجديد دعوة جريئة للمستثمرين ورواد الأعمال وأصحاب الثروات الكبيرة حول العالم، للانضمام إلى مسيرة التطور والنمو التي تشهدها السلطنة.
تمنح التأشيرة الذهبية العُمانية المستثمرين وأسرهم إقامة طويلة الأمد قابلة للتجديد لمدة 10 سنوات، تسمح لهم بالعيش والعمل والاستقرار في السلطنة دون الحاجة إلى كفيل محلي. ولا يقتصر الأمر على جذب رؤوس الأموال الأجنبية، بل يدعم كذلك جهود عُمان في تعزيز القطاعات الحيوية مثل: السياحة، الطاقة، العقارات، والتكنولوجيا.
ويستفيد حاملو التأشيرات من مجموعة من المزايا، بما في ذلك تجديدها بسهولة كل عشر سنوات، ومسارات مخصصة في المطارات والمعابر الحدودية، وحقوق إقامة تمتد لأفراد العائلة من الدرجة الأولى دون قيود على العمر أو العدد. ويجوز لحاملي التأشيرات توظيف ما يصل إلى ثلاثة عمال منزليين، وكفالة زوار مؤقتين، بما في ذلك الأصدقاء والأقارب، وامتلاك عقارات خارج المجمعات السياحية المتكاملة لأغراض سكنية أو تجارية أو صناعية، مع إمكانية نقل الملكية.
ويمكن للمتقدمين التأهل باستثمار لا يقل عن 200 ألف ريال عُماني من خلال إحدى القنوات أو أكثر، مثل الاستحواذ على العقارات، أو تأسيس شركات برأس مال مُدقق، أو امتلاك سندات حكومية لمدة لا تقل عن عامين، أو ودائع بنكية ثابتة لا تقل عن خمس سنوات، أو محافظ أسهم وأوراق مالية، أو توفير فرص عمل لخمسين مواطنًا عُمانيًا أو أكثر. كما يجوز للشركات المملوكة لأجانب برأس مال مُسجل لا يقل عن 200 ألف ريال عُماني ترشيح شركاء أو مسؤولين تنفيذيين كبار للحصول على إقامة المستثمر.
بإطلاق هذه المبادرة، تؤكد عُمان التزامها بتعزيز مناخها الاستثماري، وتوفير استقرار طويل الأمد للعائلات، وتمكين المواطنين العالميين من الوصول إلى اقتصاد مزدهر وآمن وموقع استراتيجي.
ناهيك عن أن الإقامة الذهبية ليست مجرد تصريح إقامة؛ إنها التزام من سلطنة عُمان بتهيئة بيئة مُتوازِنة للمستثمرين، تجمع بين فرص استثمارية نوعية، واستقرار طويل الأمد، وتجربة معيشية تعكس أصالة الضيافة العُمانية. ومن خلال هذا البرنامج، تفتح سلطنة عُمان أبوابها أمام المستثمرين من مختلف أنحاء العالم؛ ليكونوا شركاء حقيقيين في مسيرة النمو والتنمية، خاصة أن سلطنة عُمان قد حازت على المرتبة الرابعة عالميًا في مؤشر جودة الحياة لعام 2024؛ بما يعكس قدرتها على الجمع بين النجاح المهني ونمط الحياة المتوازن وسط طبيعة خلابة وثقافة أصيلة.
وتكريساً لجهودها في التنويع والجذب الاستثماري، أطلقت الحكومة العُمانية، مبادرة "الشركات المُجيدة"؛ إذ تسعى المبادرة إلى الاهتمام بالشركات التي تُمثِّل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، وإبراز مساهمتها في تحقيق النمو، كما تهدف المبادرة إلى تمكين الشركات العُمانية ذات الأداء المُتميِّز من النمو والتوسُّع محليًا وعالميًا، عبر حزمة متكاملة من الحوافز والتسهيلات، مع الالتزام بمعايير دقيقة لضمان استدامة الأداء وتعزيز الابتكار والتنافسية، وتركز المبادرة على دعم الشركات التي تسهم بفاعلية في الاقتصاد الوطني من خلال توظيف الكفاءات العُمانية وتقديم منتجات وخدمات عالية الجودة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية " عُمان 2040" نحو اقتصاد متنوع قائم على المعرفة.

فضلاً عن إطلاق مبادرة التدشين التجريبي لخدمة نقل ملكية السجل التجاري عبر التصديق الإلكتروني في منصة « عُمان للأعمال» والتي تمثل نقلة نوعية في مسار التحول الرقمي للقطاع التجاري، من خلال تسهيل الإجراءات وتقليل الوقت والتكلفة وتعزيز الشفافية والموثوقية وشراكات استراتيجية في قطاع البناء والتشييد.
إجمالاً يمكن القول أن كل هذه المبادرات والاستراتيجيات والفرص والحوافز التي تمنحها عُمان للمستثمرين العرب والأجانب، تؤكد رغبتها الحقيقية الجادة لتعزيز بيئة الأعمال، وجذب الاستثمارات النوعية، وتمكين الشركات الوطنية؛ بما يُرسِّخ دعائم اقتصاد مُتنوِّع قائم على المعرفة والابتكار، ويُعزِّز التنمية المُستدامة في سلطنة عُمان.