الاقتصاد .. يتعافي !

الاقتصاد .. يتعافي !الاقتصاد .. يتعافي

الاقتصاد .. من الأنشطة المرئية والمحسوسة والتفاؤل أو التشاؤم بشأنه لا يجب أن يستند على الانطباعات" الشخصية.. أو المواقف والاتجاهات السياسية المسبقة.

وإنما بقراءة المؤشرات الأساسية التى تكشف عن اتجاهات الصعود أو النزول، ومدى استمرارها وحجم تغيرها للأفضل.

وهى مؤشرات متفق عليها ومعروفة للكافة، ولعل أبرزها معدل النمو فى الناتج المحلى الإجمالى، ثم معدلات التضخم والبطالة، وكذلك استقرار سوق الصرف للعملات الأجنبية، وحجم الاحتياطى من النقد الأجنبى ومدى تغطيته لاستيراد السلع الأساسية لعدة أشهر، ثم نسبة العجز فى الموازنة العامة للدولة، مقارنة بحجم الناتج المحلى الإجمالى للاقتصاد القومى.

وأعتقد أن الكل يلاحظ – متخصصين وغيرهم – أننا فى بداية «دورة اقتصادية» صاعدة وإيجابية إن شاء الله.

وأعتقد أيضا أنه لا مانع أن ينظر البعض إلى "نصف الكوب الفارغ"، ولكن لا يجب أن يواصل مصمصة الشفايف وإحباط من يعمل ويبذل جهدًا إضافيًا لتحسين أحوال البلاد والعباد.

نعم.. كلنا "وطنيون" ونحب مصرنا جدًا ونتمنى أن تكون فى أفضل وضع، وقديمًا قالوا "إن المُعارض يشد أزر المفاوض"، ولكن فى مجال الاقتصاد.. هناك حقائق وأرقام ومؤشرات كاشفة عن الاتجاهات المستقبلية، منها مثلاً:

- التدفقات الخارجية من النقد الأجنبى من مصادر مختلفة والتى تجاوزت احتياجاتنا الشهرية منها، بل كانت سببا فى زيادة احتياطى البلاد من النقد الأجنبى ووصوله إلى حوالى 50 مليار دولار.
- فائض الأصول الأجنبية يقفز إلى 18.5 مليار دولار نهاية يوليو، فى وحدات الجهاز المصرفى بعد أن كان 14.7 فى نهاية مايو الماضى.
ارتفاع تحويلات المصريين فى الخارج إلى 36.5 مليار دولار فى العام المالى الماضى مقارنة بحوالى 22 مليارًا فى العام السابق، والخبر الجيد فى هذا المجال.. أن هذه التدفقات التصاعدية فى النقد الأجنبى ليست مجرد "طفرة" مؤقتة، ولكنها تدفقات شهرية ومستمرة وتزداد بنسبة مختلفة، فضلاً عن تنوعها – أى من مصادر مختلفة - مثل السياحة التى ارتفعت إلى حوالى 15 مليار دولار، بعد أن كانت 12 مليارًا من ثلاثة أشهر، وأيضا تحقيق صافى استثمار أجنبى مباشر بحوالى 10 مليارات دولار فى نهاية يونيو الماضى.
وارتفاع حصيلة الصادرات غير السلعية مثل الملابس والفواكه والخضراوات إلى 25.6 مليار مقابل 19.5 فى ذات الفترة من العام الماضى.
وكذلك انخفاض الدِين الخارجى إلى حوالى 155 مليار دولار بعد أن كان 168، والجيد أن الديون طويلة الأجل والمتوسطة تمثل 82% منه، حيث تبلغ 127 مليار دولار.
المؤشرات المحلية
ما سبق كان عن التدفقات الخارجية من النقد الأجنبى وعوائد الأنشطة مثل الصادرات والسياحة وغيرهما، ولم يختلف التحسن الخارجى عن تحسن المؤشرات الداخلية سوى فى حجم النسب، فقد انخفض معدل التضخم إلى أقل من 14% وكذلك معدل البطالة إلى حوالى 10%، وانخفاض الدين العام الحكومى إلى أقل من 14 تريليون جنيه، ليمثل حوالى 86% من الناتج المحلى الإجمالى البالغ أكثر من 20 تريليون جنيه.
وأيضا تحقيق الموازنة العامة لفائض أولى - وهو الفرق بين الإيرادات والمصروفات، بعد استبعاد أقساط وفوائد الديون - حوالى 930 مليار جنيه، بما يعادل أكثر من 186 مليون دولار.
وأهمية هذا الفائض.. أنه مؤشر على قدرة الاقتصاد والموازنة العامة على تحقيق توليد موارد وتحقيق فائض يمكن استخدامه فى أمور أخرى، ومنها بالطبع سداد الديون المحلية والخارجية.
ليس ذلك فقط.. بل من المرجح والمتوقع أن تحقق الهيئات الاقتصادية فوائض تصل إلى 170 مليار جنيه فى نهاية العام المالى الحالى، بعد أن حققت خسائر العام المنتهى.
دورة اقتصادية جيدة
كل هذه المؤشرات الخارجية والداخلية تكشف وتنبئ أننا فى بداية دورة اقتصادية جيدة ومبشرة ولابد من استغلالها لعلاج بعض أوجه الخلل القديم فى الاقتصاد القومى، ومنها مثلاً العجز المزمن بين الواردات الخارجية والصادرات المصرية.
وأيضا تخفيض العجز فى الموازنة العامة للدولة، وتخفيض حجم الدين العام وفوائده ولن يتحقق ذلك إلا باستمرار التنسيق بين السياسة المالية والنقدية، فالأولى تستهدف تحقيق الاستقرار الاقتصادى والعدالة الاجتماعية بدعم شبكات الرعاية، مع زيادة الاستثمارات العامة بالتعاون مع القطاع الخاص، ويقاس نجاحها بقدرتها على زيادة معدلات التشغيل ودفع معدلات النمو فى الناتج المحلى إلى الارتفاع، وتوليد مزيد من الدولارات، وكذلك السياسة النقدية المسئول عنها البنك المركزى والذى يستهدف الاستقرار وتوفير التمويل المطلوب للأنشطة الاقتصادية المختلفة، مع مكافحة التضخم والعمل على ثبات الأسعار وخفضها.
وأعتقد أن تخفيض المركزى للفائدة السائدة بنسبة 2% يأتى فى هذا الاتجاه، أى تخفيض تمويل أقل تكلفة للاستثمارات القائمة والجديدة وبما ينعكس فى النهاية على تخفيض تكلفة الإنتاج وانخفاض أسعار المنتجات.
ولكن يجب أن يساند ذلك رفع معدل الادخار المحلى للقطاع العائلة من 13% حاليًا إلى حوالى 20% أو أكثر، ولو على مدى السنوات الثلاثة المقبلة، والمدخرات هى أموال لا يتم استهلاكها عندما تتوفر، وتخصص للاستثمار أو الاستخدام المستقبلى، وحاليًا البعض يستثمرها فى التجارة فى العقارات أو الذهب باعتبارها "مخزنا للقيمة" أو لمواجهة عوائد الزمن!
مع أن الكل يعلم أن استخدام تلك المدخرات فى الأنشطة المنتجة يعنى زيادة التشغيل، وانخفاض البطالة، ومزيد من السلع والخدمات، واستمرار دوران رأس المال بدلاً من ركوده!
نعم.. عانينا جميعا من قبل من انخفاض الدخول وارتفاع الأسعار للاحتياجات الأساسية، ولكن ما معنى الإقبال الشديد على شراء العقارات وارتفاع أسعار الذهب؟!
وأعتقد أن البعض يعلم أن معدل الادخار - مثلاً - فى الجزائر بلغ 42% والعراق 40% طبقا لأرقام عام 2022.

الخلاصة.. أننا نعانى من بعض المشاكل المزمنة مثل عجز الموازنة العامة أو الميزان التجارى مع الخارج، وارتفاع حجم الدين العام.
ولكن ألا يلاحظ البعض أننا أعدنا تأسيس بنية تحتية حديثة فى طول البلاد وعرضها من طرق وخطوط سكة حديد، ومحطات كهرباء ومحطات تحلية مياه البحر أو الصرف الصحى، فضلاً عن وسائل الانتقال المختلفة والتى ربطت جميع أجزاء البلاد ببعضها، ناهيك عن الدلتا الجديدة التى ستغطى الاستهلاك المحلى من الاحتياجات الأساسية من الغذاء، وتصدير الفائض.
تفاءلوا.. فالغد أفضل إن شاء الله.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان