حالة من الترقب تسود الولايات المتحدة والعالم فى انتظار حكم المحكمة العليا الأمريكية فى الطعن المقدم أمامها ضد القرار الصادر نهاية شهر أغسطس الماضى من قبل محكمة الاستئناف الفيدرالية بعدم قانونية معظم الرسوم الجمركية التى فرضها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب على دول العالم، فى الوقت الذى أثيرت تساؤلات عن مصير الصفقات التى أبرمها ترامب مع شركاء تجاريين رئيسيين، وكذلك حول مصير مليارات الدولارات التى جمعتها الحكومة الأمريكية منذ فرض الرسوم الجمركية، إذا ما أيدت المحكمة العليا قرار البطلان.
وكانت محكمة الاستئناف الأمريكية للدائرة الفيدرالية، أكدت، فى قرار صدر بأغلبية سبعة أصوات مقابل أربعة، أن ترامب أخطأ حين فرض الرسوم الجمركية بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، ووصفت الرسوم بأنها «باطلة لأنها تتعارض مع القانون»، وهو حكم أيد إلى حد كبير قرارا سابقا أصدرته محكمة تجارية فيدرالية متخصصة فى نيويورك فى مايو الماضى، لكن تم تعليق هذا القرار خلال إجراءات الاستئناف.
وينص قانون «الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية» الصادر عام 1977، على أن الرئيس يستطيع استخدام أدوات اقتصادية «للتعامل مع أى تهديد غير عادى أو استثنائى، يكون مصدره كلياً أو جزئياً خارج الولايات المتحدة، أو يهدد الأمن القومى أو السياسة الخارجية أو الاقتصاد».
وبرر ترامب بموجب هذا القانون فرض الرسوم الجمركية على دول العالم، حيث أعلن ترامب حالة طوارئ وطنية فيما يتعلّق بالتجارة، باعتبار أن العجز التجارى طويل الأمد يضر بالأمن القومى الأمريكى، على حد قوله.
لكن محكمة الاستئناف قالت فى حكمها، إن قانون الصلاحيات الاقتصادية الدولية الطارئة «لا يذكر التعريفات الجمركية (أو أى من مرادفاتها) ولا يشمل ضمانات إجرائية واضحة لسلطة الرئيس، فى فرض تعريفات جمركية».
وبموجب القرار، لن تكون الرسوم التى فرضها ترامب على معظم دول العالم قابلة للتنفيذ بعد 14 أكتوبر المقبل، لكن القرار لا ينطبق على التعريفات الجمركية المفروضة على الصلب والألومنيوم والنحاس والسيارات، والتى فُرضت بموجب سلطة رئاسية مختلفة، حيث فرضها ترامب بعد أن خلصت تحقيقات وزارة التجارة إلى أن هذه الواردات تُشكل تهديداً للأمن القومى الأمريكى.
وجاء الحكم رداً على دعوى قضائية رفعتها شركات صغيرة وائتلاف من ولايات يقودها الديمقراطيون ضد التعريفات التى فرضها ترامب، وقالت ليتيشيا جيمس، المدعية العامة لولاية نيويورك، وهى طرف فى الدعوى، فى بيان: «مرة أخرى، صدر حكم قضائى بأن الرئيس لا يمكنه افتعال حالة طوارئ اقتصادية وهمية لتبرير رسوم جمركية بمليارات الدولارات. هذه الرسوم ضرائب على الأمريكيين، فهى تزيد التكاليف على الأسر العاملة والشركات فى أنحاء البلاد، ما يسبب المزيد من التضخم وفقدان الوظائف».
وعن تأثير قرار المحكمة العليا المرتقب، أشارت تقارير لصحف عالمية إلى إنه إذا جاء الحكم مؤيدا لقرار محكمة الاستئناف، فسيكون بمثابة ضربة قاسية لسلطة ترامب السياسية وسمعته كصانع صفقات، أما إذا ألغته فسيكون له أثر معاكس، وقد يشكل ذلك سابقة تشجع الرئيس على استخدام قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية بشكل أكثر عدوانية من الآن، حسبما ذكرت «بى بى سى» فى تقرير لها.
على الصعيد الاقتصادى، إذا أكدت المحكمة العليا عدم قانونية هذه الرسوم، فقد تسعى الشركات الأمريكية إلى الحصول على تعويضات، وقد يتعين على وزارة الخزانة الأمريكية إعادة معظم الرسوم الجمركية الإضافية التى تم تحصيلها خلال الأشهر الخمسة الماضية والتى تبلغ الآن نحو 159 مليار دولار، حسب «أسوشيتد برس».
كذلك سيؤدى إلغاء التعريفات الجمركية التى فرضها ترامب استناداً إلى سلطات الطوارئ بشكل نهائى، إلى منع الولايات المتحدة من جلب مئات المليارات من الدولارات من الإيرادات التى كانت تعتمد عليها للحد من الضربة المالية الناجمة عن تخفيضات الضرائب الشاملة.
من ناحية أخرى، ذكر تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، أن حكم محكمة الاستئناف الأمريكية يشكل «ضربة قوية لواحدة من السياسات الأساسية للبيت الأبيض فى عهد ترامب، وإذا أيدته المحكمة العليا، فقد يؤدى ذلك إلى تعقيد العديد من الصفقات التجارية التى تفاوضت عليها الولايات المتحدة مع الدول التى تسعى إلى تقليل تعرضها للتعريفات الجمركية الواسعة.
يذكر أن ثلاثة من تلك الصفقات كان من المفترض أن تجلب للولايات المتحدة استثمارات بنحو 1.2 تريليون دولار من الاتحاد الأوروبى واليابان وكوريا الجنوبية.
فى السياق ذاته، قالت ويندى كتلر، النائبة الأولى لرئيس معهد السياسات التابع لجمعية آسيا، والتى قضت نحو ثلاثة عقود كدبلوماسية ومفاوضة فى مكتب الممثل التجارى الأمريكى، إن المخاوف بشأن الاتفاقيات التجارية قد تتحول إلى واقع، وكتبت فى منشور على «لينكد إن» قائلة إن الهند، التى تواجه رسوماً بنسبة 50%، «لا بد أنها تحتفل»، بينما الصين «لا بد أنها تدرس موقفها من تقديم تنازلات فى المفاوضات الجارية».
وأضافت أن «جهود الاتحاد الأوروبى للحصول على موافقة داخلية على اتفاقه (مع الولايات المتحدة) قد تصبح محل تساؤل، فى حين أن اليابان وكوريا الجنوبية، اللتين من الواضح أنهما أبرمتا اتفاقات شفهية من دون توثيق يُذكر، قد تختاران إبطاء وتيرة الجهود الحالية بانتظار اتضاح الموقف القانونى بدرجة أكبر فى الولايات المتحدة، مع مواصلة الضغط لخفض الرسوم على السيارات»، حسبما نقلت «بلومبرج».
وحول الحكم المتوقع من المحكمة العليا، أشارت تقارير إعلامية أمريكية إلى أن الأغلبية المحافظة فى المحكمة العليا من الممكن أن تزيد من احتمالية انحيازها إلى وجهة نظر الرئيس، حيث تضم المحكمة العليا ستة قضاة، من بين تسعة، معينين من قبل الرؤساء الجمهوريين، بما فى ذلك ثلاثة اختارهم ترامب بنفسه.
ومن جهته، أعرب وزير الخزانة الأمريكى سكوت بيسنت عن ثقته فى أن المحكمة العليا ستؤيد استخدام ترامب لقانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977 لفرض رسوم جمركية شاملة على معظم الشركاء التجاريين، لكنه قال إن «هناك العديد من الصيغ القانونية الأخرى التى يمكن اللجوء إليها، فى حال لم يتم تأييد هذه الرسوم، لكنها ليست بنفس الكفاءة والقوة».
وأوضح بيسنت فى تصريح لوكالة «رويترز»: أن أحد البدائل قد تكون المادة 338 من قانون «سموت-هاولى» للتعريفات الجمركية لعام 1930، والتى تسمح للرئيس بفرض رسوم جمركية تصل إلى 50٪ لمدة خمسة أشهر على الواردات من الدول التى يثبت أنها تستخدم سياسات تمييزية ضد التجارة الأمريكية.
ووفق «أسوشيتد برس»، لدى ترامب قوانين بديلة لفرض ضرائب الاستيراد، لكنها ستحد من سرعة وقوة تصرفه. على سبيل المثال، هناك قانون التجارة لعام 1974، لكن هذا القانون يقيد الرسوم الجمركية بنسبة 15% ولمدة 150 يوماً فقط على الدول التى تعانى الولايات المتحدة من عجز تجارى كبير معها. وبعد مرور 150 يوما، سوف يكون هناك حاجة لتدخل الكونجرس لتمديد هذه التعريفات.
ويمكن للإدارة الأمريكية أيضاً اللجوء إلى فرض رسوم بموجب سلطة قانونية مختلفة، وهى المادة 232 من قانون الأمن القومى لعام 1962، كما حدث مع الرسوم الجمركية على الصلب والألومنيوم والسيارات المستوردة، لكن هذا يتطلب تحقيقاً من وزارة التجارة، ولا يمكن فرضه ببساطة بناءً على تقدير الرئيس.