ترامب «يُربك» الحلفاء قبل الخصوم !

ترامب «يُربك» الحلفاء قبل الخصوم !ترامب

لا تزال سياسات ومواقف الرئيس الأمريكى دونالد ترامب المثيرة للجدل مصدرًا للتوتر بين الولايات المتحدة وأقرب حلفائها، ومن الهند إلى كوريا الجنوبية وأوروبا، يواصل ترامب اتخاذ مواقفه المفاجئة والتى لا يمكن التنبؤ بها، ضاربا بالأعراف الدبلوماسية عرض الحائط، ما يثير حالة من انعدام الثقة وعدم اليقين بين حلفاء واشنطن قبل خصومها.

أحدث وقائع إغضاب ترامب للدول الحليفة للولايات المتحدة، كانت مع كوريا الجنوبية، أحد حلفاء واشنطن الرئيسيين فى آسيا، حيث قامت سلطات الهجرة الأمريكية باعتقال 475 عاملا، بينهم أكثر من 300 مواطن كورى جنوبى، إثر مداهمة لمصنع بطاريات سيارات، تابع لشركتى «هيونداى موتور» و»إل جى إنرجى سوليوشن»، إحدى أكبر شركات كوريا الجنوبية، بولاية جورجيا، بدعوى حملهم لتأشيرة زائر، وهو ما أثار صدمة واستياءً واسعًا فى كوريا الجنوبية .

وقالت شبكة «سى إن إن»، إن صور اقتياد عشرات العمال الآسيويين، كثير منهم كوريون، إلى مراكز الاحتجاز وهم مقيدون بالأغلال، انتشرت على نطاق واسع فى كوريا الجنوبية وأثارت انتقادات فى وقت تضخ فيه البلاد استثمارات بمليارات الدولارات فى الولايات المتحدة، ومعظمها بناء على طلب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، حيث تعهدت سول فى يوليو باستثمار 350 مليار دولار فى الولايات المتحدة بعد تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية مشددة.

وأشارت الشبكة الأمريكية، إلى أن عملية المداهمة شكلت القصة الرئيسية فى الصحف والمواقع الإلكترونية الكورية الجنوبية، مع تساؤلات عن معاملة واشنطن للمواطنين الكوريين الجنوبيين وما إذا كانت العلاقات التجارية والدبلوماسية قد تعانى من ضرر دائم.
لكن «سى إن إن»، لفتت إلى أن تداعيات العملية تؤثر على ما يبدو على ما هو أعمق من الصفقات التجارية، حيث يرى البعض أنها إهانة لصداقة ثنائية تشكلت على مدى أكثر من سبعة عقود منذ نهاية الحرب الكورية فى عام 1953.
ويقول أستاذ فى مجال الأعمال فى إحدى جامعات كوريا الجنوبية، طلب عدم الكشف عن اسمه: «إن رؤية شعبنا يُحتجز بلا رحمة ويُوضع فى مراكز احتجاز فى بلد نعتبره صديقًا كان مؤلمًا حقًا»، مضيفا: «كان من الممكن أن أكون أنا أو عائلتى أو حتى أصدقائى، وشعرت بإحساس قوى بالظلم».
من جانبه، علق الرئيس الأمريكى دونالد ترامب على العملية، قائلا: «أعتقد أن هؤلاء كانوا مهاجرين غير نظاميين، وشرطة الهجرة كانت تقوم بعملها»، لكنه عاد وقال للصحفيين ردا على سؤال بشأن ما إذا كانت المداهمة تؤثر على العلاقات مع كوريا الجنوبية، «لا، لدينا علاقة رائعة مع كوريا الجنوبية، علاقة جيدة للغاية، كما تعلمون، لقد توصلنا للتو إلى اتفاق تجارى مع كوريا».
وشدد الرئيس الأمريكى على إمكانية السماح باستقدام خبراء أجانب لتدريب العمال الأمريكيين، على أمور معقدة، سواء كانت تصنيع البطاريات أو أجهزة الكمبيوتر أو الشرائح الإلكترونية، فى إشارة واضحة إلى عزمه حل القضايا المتعلقة بالقيود الأمريكية على تأشيرات العمل للأجانب ذوى المهارات العالية، والتى أعاقت جهود الشركات الكورية الجنوبية لجلب العمال اللازمين لتشغيل المصانع.
ومن كوريا الجنوبية إلى حلفاء واشنطن عبر الأطلسى، واصل الرئيس الأمريكى نهجه المثير للتوتر، حيث أفادت مصادر مطلعة لصحيفة «تليجراف» البريطانية، أن إدارة ترامب قررت وقف برامج المساعدات الأمنية المخصصة لتمويل وتدريب وتأهيل جيوش الدول الأوروبية المحاذية لروسيا، مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا.
يأتى هذا فى الوقت الذى بدا فيه واضحا محاولة ترامب إصلاح التوتر مع الرئيس الهندى ناريندرا مودى، بعد أن كشفت تصريحاته السابقة التى تحدث فيها عن «خسارة الهند وروسيا لصالح الصين» عن مخاوفه من إبعاد الهند لصالح الصين. وفى حديثه للصحفيين فى واشنطن، وصف ترامب مودى بـ «رئيس الوزراء العظيم» وأكد أنه سيكون دائماً صديقاً له، مضيفاً أن العلاقات بين الولايات المتحدة و الهند «مميزة» ولا داعى للقلق بشأنها.
تصريحات ترامب جاءت بعد أيام من قمة منظمة شنغهاى للتعاون التى استضافتها مدينة تيانجين الصينية، حيث ظهر مودى إلى جانب الرئيسين الروسى فلاديمير بوتين والصينى شى جين بينج، فى صورة رمزية لاصطفاف جديد يثير قلق واشنطنن، فى ظل التوتر المتزايد بين واشنطن ونيودلهى، خاصة بعد أن فرض ترامب مؤخرا رسومًا جمركية بنسبة 50 بالمئة على الواردات الهندية، بسبب شراء النفط الروسى، متهما نيودلهى بتعزيز قدرة روسيا على مواصلة حربها فى أوكرانيا عبر مشتريات ضخمة من النفط الروسى، وهو ما دفع الهند، بحسب تحليلات الصحف الأمريكية، إلى تعزيز علاقاتها مع الصين- على الرغم من أنها تعتبر منافسًا وخصمًا لنيودلهى- حيث كانت زيارة مودى إلى الصين للمشاركة فى قمة منظمة شنغهاى للتعاون، الأولى من نوعها منذ
7 سنوات، وشكلت بحد ذاتها مؤشرًا على تحسن العلاقات بين نيودلهى وبكين بعد توترات حدودية وأزمات دبلوماسية متراكمة.
وعن نهج ترامب المتقلب فى السياسة الخارجية، والذى يعانى منه حلفاء واشنطن قبل خصومها، قال تحليل نشره الموقع الإلكترونى لمعهد تشاتام هاوس (المعهد الملكى للشئون الدولية)، إن التقلب فى سياسة الرئيس ترامب التجارية والخارجية أصبح أمرًا طبيعيًا، مشيرا إلى أن الرسوم الجمركية الجديدة التى فرضها ترامب على الواردات من دول، منها سويسرا والهند، من بين أحداث أخرى خلال الفترة الماضية، تُظهر قدرة الرئيس الأمريكى على اغتنام المبادرة مرارًا وتكرارًا، واستقطاب العناوين الرئيسية، وخلق الفوضى والاستمتاع بها.
وشدد التقرير على أنه على صانعى السياسات أن يتوقفوا عن السماح لتصريحات الرئيس الأمريكى «المفاجئة» بأن تأخذهم على حين غرة. وتابع أن هناك حاجة إلى نهج جديد لاستعادة زمام المبادرة، وإدراك أن السعى لكسب ود الرئيس الأمريكى قد يكون تكتيكًا مفيدًا، ولكنه لا يُمثل استراتيجية.
وأوضح أن قادة دول العالم سعوا حتى الآن، إلى التعامل مع حالة عدم اليقين المستمرة من خلال تقديم الهدايا لكسب ود الرئيس الأمريكى، وحماية أنفسهم من آثار التغييرات المفاجئة فى سياسته الخارجية، لكن السؤال الذى يجب أن يسأله القادة لأنفسهم مع بقاء ثلاث سنوات أخرى من ولاية ترامب، حسب «تشاتام هاوس»، هو: إلى أى مدى يمكن تحمل هذا النهج، فى ظل عدم القدرة على التنبؤ بالسياسة الأمريكية؟
ويقول التقرير إن القادة بحاجة إلى إعادة تقييم توجهاتهم تجاه الولايات المتحدة، ودفع أولوياتهم الخاصة دون انتظار ما ستفعله واشنطن أولًا، مؤكدا أن مواجهة الرئيس ترامب تنطوى على مخاطر كبيرة، لكن كذلك هو الحال مع اختيار عدم المواجهة: فقدان المبادرة، والاستراتيجية طويلة المدى، وربما الشراكات والتحالفات التى تمنح الدول الصغيرة ثقل الدول الكبيرة.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان