بين مؤيد ومعارض للقرار استقبل الأمر التنفيذى للرئيس الأمريكى دونالد ترامب بتغيير تسمية وزارة الدفاع إلى « وزارة الحرب » (وهو الاسم المستخدم منذ عام 1789 حتى 1949)، وبرر ترامب قراره بأن «وزارة الحرب» تتمتع برنين أقوى، وتحمل تاريخاً من الانتصارات «التى لا تصدق»، مشيراً إلى الانتصارات الأمريكية فى الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وشدد الرئيس الأمريكى على أن اسم وزارة الحرب يحمل رسالة أقوى ويعكس الجاهزية والحزم، على عكس الاسم السابق الذى يقتصر على الإشارة إلى القدرات الدفاعية التى لا تليق بدولة اعتادت، على حد قوله، أن «تفوز فى كل الحروب»، وشدد على ضرورة أن يعكس الاسم نزعة هجومية. وبينما اعتبر البعض القرار استعراضا للقوة وأنه لا مبرر له على اعتبار أن بلادهم ليست فى حالة حرب فيما يفترض أن إدارة ترامب تسعى إلى إنهاء الحروب، أكد وزير الدفاع الأمريكى بيت هيجسيث، أن الخطوة تتعدى كونها مجرد تعديل شكلى فى الألفاظ، بل «تتعلق بتعزيز روح المحارب فى البنتاجون »، وبما يتواءم مع شعارات إدارة ترامب « أمريكا أولا، السلام من خلال القوة».
فى حين شدد المتحدث باسم البنتاجون شون بارنيل، على أن هذا التغيير ضرورى بحجة أن كسب الحروب يشكل جوهر المهمة الأساسية للجيش، وأن الدفاع وحده لا يكفى، بل يجب الاستعداد للهجوم على أعدائنا والهيمنة عليهم.
وفور صدور الأمر التنفيذى من الرئيس، انخرطت المؤسسة العسكرية فى تنفيذ القرار بسرعة، حيث أعيدت تسمية الحساب الرسمى للبنتاجون على منصة إكس، فى حين استخدم هيجسيث لقب «وزير الحرب» فى المراسلات الرسمية.
ويحمل القرار التنفيذى تداعيات كبيرة على الجوانب القانونية والمالية والتشغيلية والجيوسياسية، حيث يلزم القرار جميع الوكالات الاعتراف بهذه الألقاب، واعتمادها فى الاتصالات الداخلية والخارجية. وسوف تستخدم الوزارة الاسم الجديد فى البداية «كلقب ثانوى» بينما تسعى الإدارة الأمريكية للحصول على موافقة الكونجرس لجعل هذا التغيير دائماً.
كما ستتضمن إعادة تسمية وزارة الدفاع (حتى لو كانت اسماً ثانوياً)، تكاليف باهظة بمئات الملايين من الدولارات؛ ووفقا لتقرير لموقع «بوليتيكو»، سيتعين تغيير الأختام والشعارات الرسمية فى أكثر من 700 ألف منشأة عسكرية موزعة على 40 دولة وجميع الولايات الأمريكية، وأن الأمر لا يقتصر على المبانى والمنشآت الضخمة، بل يمتد ليشمل أدق التفاصيل، من الأوراق الرسمية للفروع العسكرية الستة، والوكالات التابعة، إلى المناديل المنقوشة فى قاعات الطعام العسكرية، والسترات المطرزة للمسئولين رفيعى المستوى، وصولا إلى السلاسل والهدايا التذكارية فى متجر البنتاجون .
وتشير تقديرات مبدئية إلى أن تكاليف التغيير تتراوح بين 500 مليون دولار ومليارى دولار لتحديث البنية التحتية الرقمية واللافتات.
وفى افتتاحيتها أيدت صحيفة «واشنطن بوست» قرار تسمية وزارة الحرب، مبرزة أن التأكيد بأن البنتاجون معنى بخوض الحروب قد يكون له آثار إيجابية، وتابعت أن الكونجرس لم يعلن الحرب كما ينص الدستور منذ الحرب العالمية الثانية، رغم أن الجنود الأمريكيين قاتلوا وماتوا فى حروب كبيرة وصغيرة حول العالم، معتبرة أن الاسم الحالى ليس جيدا بما يكفى، مفضِّلة نغمة «الحرب» لأنها أقوى، ولارتباطها بانتصارات الولايات المتحدة فى الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وأشارت الصحيفة الأمريكية، إلى أن تغيير الاسم لن يجعل الكونجرس يغير سلوكه فجأة ولن يضمن للرئيس تحقيق الآثار السياسية التى يرغب فيها وأن صلاحيات البنتاجون ستظل خاضعة لرقابة تشريعية.
وشددت، على أن خصوم ترامب ينتقدون الدلالات العدوانية للاسم الجديد، لكن الولايات المتحدة محمية بأكثر قوة قتالية فتاكة و«يقظة» عرفها التاريخ، مهما كان اسمها. وقد يدفع الاسم الجديد إلى نقاش أكثر تركيزا حول كيفية استخدامها.
وأوضحت الصحيفة الأمريكية، أن قرار ترامب يعد خطوة فى محلها ضد اللغة الرسمية المخففة، وربما يعقب ذلك تفكير أوضح حول دور المؤسسة العسكرية فى الداخل والخارج. وقالت، إن قدرة البنتاجون على الدفاع عن مصالح الولايات المتحدة فى أنحاء العالم مرتبط بتوقع أن تكون قادرة على خوض الحروب والفوز بها، وهذا التوقع هو ما يشكل حسابات الدول المنافسة.
فى حين قال والترد لادويج، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة كينجز كوليدج، قسم دراسات الحرب، فى مقال نشره على الموقع الإلكترونى للمعهد الملكى البريطانى، إن «الأخطر هو أن التسمية الجديدة تحمل رسائل عدوانية تقلق الحلفاء وتشجع الخصوم، وتمنح الدعاية الصينية والروسية مادة مجانية لتصوير أمريكا كقوة مهددة للاستقرار العالمى، مشيرا إلى أن حلفاء الولايات المتحدة لا يستخدمون مصطلح وزارة الحرب. ويفعل خصوم أمريكا الشىء نفسه.
من جهة أخرى، ذكر محللون، أن توقيت القرار جاء فى أعقاب استعراض الصين العسكرى فى 3 سبتمبر الحالى بحضور الرئيس الصينى شى جين بينج ونظيريه الروسى فلاديمير بوتين والكورى الشمالى كيم جونج أون والذى نظر إليه على أنه «ضد الهيمنة الأمريكية»، واعتبروا أن التوقيت يظهر استعداد واشنطن للرد على أى تهديد، وأنه «رسالة مبطّنة لكل خصوم الولايات المتحدة».
ويرى مراقبون، أن ترامب يريد إعطاء انطباع للأعداء وللحلفاء بأن شيئا ما سيحدث، وهى العبارة التى كررها عدة مرات هذا الشهر، ما يشير إلى استعداده لتوجيه ضربة عسكرية فى مكان ما. ويقولون إن تسمية «وزارة الحرب» تأتى فى سياق «استعدادات أمريكية للعودة إلى عصر المواجهة المباشرة.
ومن جانبها، قالت صحيفة «نيويورك تايمز»، إن الاسم استخدم لأكثر من 150 عاما، خاضت خلالها الولايات المتحدة حروبا ضد السكان الأصليين، وضد بريطانيا وإسبانيا والمكسيك والفلبين، بالإضافة إلى الحرب الأهلية.
وتابعت أن جورج واشنطن هو من أسس وزارة الحرب فى أغسطس 1789، بعد أشهر من التصديق على الدستور وتوليه منصبه كأول رئيس للدولة الوليدة.
ونقلت الصحيفة الأمريكية عن معهد مكتبة ترومان أن الرئيس هارى ترومان غير الاسم ضمن «قانون الأمن القومى» الذى وقّعه عام 1947، فى وقت كانت الولايات المتحدة القوة النووية الوحيدة عالميا وكانت الحرب الباردة قد بدأت للتو.
ودمج القانون الذى أصدره ترومان، وزارتى البحرية والحرب والقوة الجوية المستقلة حديثا فى منظمة واحدة سميت «المؤسسة العسكرية الوطنية» ويقودها وزير مدنى للدفاع يشرف أيضا على هيئة الأركان المشتركة، وتابعت أنه بعد عامين، عدّل الكونجرس قانون الأمن القومى، وأُعيدت تسمية المؤسسة العسكرية الوطنية لتصبح وزارة الدفاع.