لم يكن جميل راتب مجرد ممثل عابر في ذاكرة الفن، بل كان مدرسة متفرّدة في الأداء، وصوتًا خاصًا في التعبير، وحضورًا لا يُنسى على الشاشة والمسرح. امتد مشواره الفني أكثر من سبعين عامًا، قدّم خلالها عشرات الأدوار التي رسخت صورته كـ"إمبراطور الشر السينمائي"، لكنه لم يكن أسيرًا لهذا القالب، بل تنقّل بين الكوميديا والرومانسية والاجتماعيات بإبداع جعل منه أحد أبرز فناني مصر والعالم العربي.
البدايات.. عشق مبكر للفن
وُلد جميل راتب في 28 نوفمبر 1926 لأب مصري وأم صعيدية من المنيا، قريبة الرائدة هدى شعراوي. نفى في أكثر من لقاء ما تردّد حول أصول فرنسية لوالدته، مؤكدًا أنها "صعيدية المنشأ".
أنهى دراسته الثانوية في مصر، والتحق بمدرسة الحقوق الفرنسية، ثم حصل على منحة لاستكمال دراسته السياسية في فرنسا. لكن شغفه بالتمثيل خطف قلبه بعيدًا عن مسار العائلة، ليقرر التفرغ للفن سرًا، ما دفع أسرته لقطع علاقتها به ووقف المنحة الدراسية.
كفاح في الغربة
رفض راتب الاستسلام، فعمل في فرنسا في مهن شاقة؛ بدأ "شيالًا" في سوق للخضار، ثم مترجمًا، وكومبارس، قبل أن يجد طريقه إلى المسرح والسينما. تزوج من الممثلة الفرنسية المعتزلة مونيكا مونتيفير التي أصبحت مديرة لمسرح "الشانزليزيه". ورغم استقرار زواجهما لم يُنجب، مبررًا قراره بأن الفن مهنة غير مستقرة، إضافة إلى اختلاف الديانة.
انطلاقة على المسرح والسينما
أول ظهور له كان عام 1946 في فيلم "أنا الشرق" مع جورج أبيض وماري منيب، لكن بدايته الحقيقية جاءت من خلال المسرح الفرنسي بعد دراسة متخصصة نصحه بها الكاتب "أندريه جيد". انضم إلى فرقة "الكوميدي فرانسيز"، ولفت الأنظار بعرض "الوريث"، حتى أن الصحف الفرنسية كتبت عن عينيه الحادتين وأدائه الآسر.
عاد إلى مصر أكثر من مرة، لكن استقر نهائيًا في السبعينات، لتكون محطة "الصعود إلى الهاوية" مفصلية، حيث حصل عن دوره على جائزة الدولة كأفضل ممثل دور ثانٍ من الرئيس أنور السادات. ومن بعدها انهالت عليه العروض ليقدّم علامات فارقة مثل "الكداب" و"الكيف" في شخصية "سليم البهظ".
أعمال خالدة
إلى جانب السينما، لمع راتب في الدراما، خاصة في شخصية "أبو الفضل جاد الله" بمسلسل "يوميات ونيس" مع محمد صبحي، الذي ظل حاضرًا في ثمانية أجزاء. ترك أيضًا بصمات قوية في "الراية البيضاء" و"أحلام الفتى الطائر" مع عادل إمام.
على المستوى العالمي، شارك في سبعة أفلام فرنسية وثلاثة تونسية، كما ظهر في الفيلم الأمريكي الشهير "لورانس العرب" بجانب عمر الشريف.
شهادات النجوم
إلهام شاهين وصفته بأنه "أب حقيقي" أثناء مشاركتهما في مسلسل "مسألة مبدأ"، مشيدة بإنسانيته وهدوئه وانضباطه.
سيمون اعتبرته "الأب الروحي"، مؤكدة أنه أول من شجعها على المسرح وعرفها بمحمد صبحي.
سماح أنور تحدثت عنه كصديق أكثر منه زميل، مؤكدة تواضعه وحبه للبسطاء رغم خلفيته الأرستقراطية.
الناقد محمود عبد الشكور أكد أن السينما المصرية لم تستفد من طاقاته كاملة، قائلاً إن "ما ظهر من إمكانياته لا يتجاوز ربع موهبته".
الرحيل
في سنواته الأخيرة عانى راتب من هشاشة العظام وآلام العمود الفقري، لكنه رفض التدخل الجراحي. سافر للعلاج في فرنسا، قبل أن يرحل تاركًا إرثًا فنيًا ضخمًا سيبقى شاهدًا على موهبة لا تُكرر.