إن ثقافة العطاء سمة اصيلة في الشخصية المصرية و مصر الدولة الثانية عالميا في بين الدول الاكثر عطاءً فلم تعد السوشيال ميديا مجرد وسيلة للتسلية أو الترفيه بل أصبحت ساحة أساسية للعمل المجتمعي و الخيري في مصر ملايين المصريين اليوم يتابعون حملات جمع التبرعات عبر فيسبوك ، إنستجرام ، تيك توك ، و يوتيوب ، بل و أحيانًا يعتمدون عليها كمصدر أساسي لمعرفة احتياجات الأسر الفقيرة أو المبادرات الإنسانية غير أن هذه الثورة الرقمية حملت معها وجهين وجه مشرق عزز ثقافة العطاء و العمل التطوعي و وجه مظلم استغل عاطفة الناس لتحقيق مكاسب شخصية من خلال النصب و الاحتيال باسم العمل الخيري .
فالوجه الإيجابي يكمن في كيف دعمت السوشيال ميديا العمل الخيري؟
و ذلك من خلال نشر الوعي و القصص الإنسانية الصعبة و المنصات الرقمية ساعدت على إيصال صوت المحتاجين بسرعة و عرض قصص نجاح ملهمة عن مبادرات أحدثت فرقًا في المجتمع و قد اصبحت التبرعات الفورية و التطوع في العمل الخيري بضغطة زر فيمكن لأي مواطن أن يشارك في حملة تبرع أو ينضم لمبادرة تطوعية و هذا سهَّل عملية حشد الموارد المادية و البشرية في عمل الخير و خصوصًا في أوقات الأزمات .
اما الوجه السلبي او النصب باسم الخير يأتي من خلال حسابات وهمية و جمعيات غير مرخصة مع انتشار صفحات مزيفة تدّعي جمع تبرعات لمحتاجين لكن الأموال تذهب إلى جيوب أفراد و كذلك استغلال العاطفة الانسانية و ضعف الوعي و هناك بعض الحملات تعتمد على صور درامية و فيديوهات مفبركة لاستدرار التعاطف مستغلين ضعف معرفة الناس بكيفية التحقق من مصداقية الحملات.
و قد جاء تقرير World Giving Report لعام 2024 يكشف عن مكانة مصر في العطاء و العمل الخيري حيث جاءت نسبة 83% من المصريين قدّموا شكلًا من أشكال العطاء مثل تبرع بالمال او مساعدة محتاج أو تطوع في العمل الخيري و نسبة 50% من السكان تبرعوا لجمعيات خيرية مسجّلة و كذلك 31% شاركوا في أعمال تطوعية خيرية
كما ابرز التقرير ان المصريون يخصصون حوالي 2.45% من دخلهم للعمل الخيري و هو رقم يعكس استعدادًا قويًا للعطاء رغم التحديات الاقتصادية
إن هذه المؤشرات تؤكد أن ثقافة العطاء متجذرة في المجتمع المصري و تعد مكوناً رئيسياً من مكونات الشخصية المصرية لكنها أيضًا تبرز الحاجة لتنظيم هذا العطاء و حمايته من الاستغلال عبر السوشيال ميديا لكي تتحقق الاستدامة في عمل الخير داخل المجتمع .
إن السوشيال ميديا في مصر أداة قوية لتعزيز التكافل و العمل الخيري لكنها في الوقت ذاته ساحة خطيرة إذا غابت عنها الشفافية و بين الأمل في مضاعفة الأثر الإيجابي و الخوف من الاستغلال يبقى الوعي الشعبي و التشريعات الصارمة هما الضمانة الحقيقية لوصول الخير إلى مستحقيه لتبقى الشخصية المصرية دائما بكافة مكوناتها مبهرة للعالم دائما و سلاما عليكي يا بلادي في كل وقت و في كل حين .