يمثل الاستقرار المالي لأي دولة وثيقة أمان ومتانة الأسس والخيارات الاقتصادية التي تبنتها الدولة خلال مرحلة معينة، ويأتي أصدار البنك المركزي العُماني لتقرير الاستقرار المالي لعام 2025م والذي يقدم تقييما شاملا واستشرافيا للنظام المالي العُماني، مستندا إلى التزام البنك بالشفافية والمساءلة، ليؤكد قدرة الاقتصاد العُماني على التكيّف والتطور وفق متغيرات الاقتصادات العالمية بمخاطرها العاجلة والآجلة.
فالاستقرار المالي هو قدرة النظام المالي، بما في ذلك المؤسسات والأسواق والبنية التحتية، على أداء وظائفه الأساسية بسلاسة، مثل تقديم الخدمات المالية والوساطة في تمويل الاقتصاد الحقيقي، مع قدرته على تحمل الصدمات غير المتوقعة ومنع المخاطر من الانتشار إلى الاقتصاد الحقيقي، بما يتضمن آليات السوق، وسياسات الاحتياطيات الكلية، والتدخلات الاستباقية، وإدارة الديون بشكل فعال، وتعزيز الروابط بين القطاعات، وذلك كله لضمان استمرار النمو الاقتصادي والرفاهية.
وبحسب تقرير الاستقرار المالي، فإن القطاع المصرفي العُماني يتمتع بمستوى جيد من المرونة، مدعومًا بتوفر مستوى كافٍ من احتياطيات رأس المال، وأصول ذات جودة عالية، وسيولة مناسبة. وأكدت اختبارات التحمل الخاصة بالملاءة المالية قدرة القطاع على الصمود أمام الصدمات المالية الشديدة، وأن جميع البنوك قادرة على استيعاب ضغوط السيولة المحتملة والمحافظة على نسب تغطية سيولة أعلى من الحد الأدنى المطلوب تنظيميًا. كما حافظ القطاع المصرفي على مستوى الربحية، فيما شهدت المؤسسات المالية غير المصرفية توسعًا تدريجيًا، مما يعكس دورها المتزايد في تقديم الخدمات المالية.
وبيّنت نتائج مؤشر الاستقرار المالي المركب اتجاهات إيجابية، مدعومة بعوامل مواتية أبرزها ارتفاع أسعار النفط، وتعزيز استدامة القدرة على تحمل الدين، وتحسن مؤشرات المخاطر النظامية. كما أشار التقرير إلى تزايد الثقة الدولية في أداء الاقتصاد الوطني، وهو ما تجلّى في رفع التصنيف الائتماني السيادي إلى الدرجة الاستثمارية من قِبل وكالتي "موديز" و"ستاندرد آند بورز"، ويُعزى ذلك بشكل كبير إلى الإدارة المالية والاقتصادية الحصيفة وتحسن معدلات الدين العام للدولة.
المؤكد أن التقييم الإيجابي للاستقرار المالي العُماني لعام 2025، لم يأت من فراغ وإنما جاء تجسيداً لقناعات عُمانية في الأخذ بأسباب الاستقرار المالي أولها: آليات التصحيح الذاتي في النظام المالي:تعمل هذه الآليات على حل المشاكل قبل أن تتفاقم وتشكل تهديداً للنظام بأكمله، حيث تمكّن النظام المالي من امتصاص الصدمات الاقتصادية دون تعطيل الاقتصاد الحقيقي. وثانيها: سياسات التحوط المالي: تهدف هذه السياسات إلى منع تراكم المخاطر المفرطة في النظام المالي، وذلك عبر أدوات تحمي القطاع المالي من العوامل الخارجية وإخفاقات السوق. وثالثها: التدخلات السياسية الاستباقية: وتتضمن هذه التدخلات ضخ السيولة عبر الأسواق عند الضرورة لاستعادة الثقة والقدرة على تحمل المخاطر، أو لمعالجة نقاط الضعف في الميزانيات العمومية.
ورابعها: إدارة مخاطر تراكم الديون: يجب تقييم استدامة الديون ورصد مؤشرات تراكم الديون المفرط، لأن الديون غير المستدامة يمكن أن تؤدي إلى عدم الاستقرار المالي وتزيد من مخاطر الأزمات. وخامسها: فهم الروابط بين النظام المالي والاقتصاد الحقيقي: يقوم الاستقرار المالي على أسس متينة لضمان أن النظام المالي لا يمثل مصدراً للعدوى أو الخلل، بل يدعم الاستقرار الاقتصادي والرفاهية.
وسادسها: الإصلاحات التنظيمية والرقابية، حيث تم إصدار القانون المصرفي الجديد ونظام البنك المركزي العُماني ومجلس إدارته، في خطوة تهدف إلى تعزيز الإطار القانوني والرقابي بما يتماشى مع تطور القطاع المالي وضمان الاستجابة الفعّالة لمتطلبات النظام المالي الحديث، كما صدر قانون حماية الودائع المُعدّل لضمان نظام مالي أكثر شمولًا ومرونة، وبما يتماشى مع المعايير الدولية.
واستناداً إلى مجمل هذه الأسباب التي أخذت بها عُمان، أصبح تقرير الاستقرار المالي العُماني واقعاً ملموساً، فالبنوك الوطنيَّة احتفظتْ بمستويات رأسماليَّة مرتفعة وأُصول ذات جودة عالية وسيولة مريحة، وهو ما أثبتَتْه اختبارات التَّحمُّل الَّتي أكَّدتْ قدرة هذه المؤسَّسات على الصُّمود أمام أصعب السيناريوهات. ولا تقتصر الصَّلابة على حماية البنوك من المخاطر، وإنَّما تمتدُّ لتوفيرِ بيئةٍ تمويليَّة داعمة للمشروعات التَّنمويَّة الكُبرى من البنية الأساسيَّة إلى الطَّاقة المُتجدِّدة، وهو ما يُعزِّز قدرة الاقتصاد على التَّحرُّر من تقلُّبات أسعار النِّفط.
وفي المقابل يعكس التَّوَسُّع التَّدريجي للمؤسَّسات الماليَّة غير المصرفيَّة حيويَّة السُّوق العُماني، واتِّجاهه نَحْوَ تنويع الخدمات وتعميق الشُّمول المالي، بما يضع النِّظام المالي أمام مرحلة جديدة من الاندماج مع التَّحوُّلات الرَّقميَّة العالَميَّة.
وتم ترجمة هذه القوة في صورة عُمان على السَّاحة الدوليَّة، حيثُ تحوَّلتْ مؤشِّرات الصَّلابة الدَّاخليَّة إلى عامل ثقة خارجي، تُرجم في رفعِ التَّصنيف الائتماني السِّيادي إلى الدَّرجة الاستثماريَّة من جانب مؤسَّسات عالَميَّة كُبرى.
وهنا يمكن القول أن التحسن الكبير في التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان خلال السنوات الماضية ونجاحها في رفع تصنيفها لتكون بين الدول ذات الجدارة الائتمانية الجاذبة للاستثمار، يُظهِر التحول الكبير في الوضع المالي والاقتصادي لسلطنة عُمان منذ بدء تنفيذ رؤية عُمان 2040, حيث كان التصنيف قد تراجع بشكل كبير في عام 2020 بسبب تبعات انخفاض أسعار النفط وتفشي الجائحة, وتم خفضه إلى BB- مع نظرة سلبية من قبل وكالة فيتش وBa3 مع نظرة سلبية من قبل وكالة موديز وB+ مع نظرة مستقرة من قبل وكالة ستاندرد أند بورز, وقد نجحت الخطة المالية متوسطة المدى, التي تم البدء في تنفيذها في عام 2020 والتوجيهات السامية بتوجيه الجانب الأكبر من عائدات النفط الإضافية لتسريع سداد الدين في وصول سلطنة عُمان إلى الاستقرار المالي، حيث استقر التصنيف بداية من عام 2021 واتجه لتحسن متوالي منذ عام 2022 ليصل إلى درجة Ba1 وفق التصنيف الأخير الصادر في أغسطس الماضي من قبل وكالة موديز والتي قامت أيضا بتعديل النظرة المستقبلية لسلطنة عُمان من مستقرة إلى إيجابية، كما قامت وكالة فيتش في مايو الماضي بتثبيت تصنيف سلطنة عُمان عند BB+ مع نظرة مستقرة، وأكدت وكالة ستاندرد أند بورز في مارس الماضي تصنيف سلطنة عُمان عند BB+ مع تعديل نظرتها من مستقرة إلى ايجابية, ويأتي التصنيف الجديد من قبل ستاندرد أند بورز مؤكدًا على أن سلطنة عُمان جاذبة للاستثمار.
هذا التَّطوُّر يرتبط بالإدارة الماليَّة الحصيفة الَّتي أعادتْ هيكلة الدَّيْن العامِّ، وخفضتْ مستوياته، ما خفَّف الضَّغط عن الموازنة العامَّة وعزَّز قدرة السَّلطنة على استقطاب الاستثمارات الأجنبيَّة، فقد حققت عُمان تحول كبير في وضعها المالي وتقوية المركز المالي للدولة والتراجع الحاد في حجم الدين العام ونسبته من إجمالي الناتج المحلي، بفضل الرؤية الحكيمة بأهمية تسريع الوصول للاستدامة المالية كممكِّن لتحقيق مستهدفات وأولويات رؤية عمان المستقبلية 2040.
فضلاً عن توجيه الجانب الأكبر من عائدات النفط الإضافية لسداد الدين العام، وما تبنته وزارة المالية من توجهات واستراتيجيات ناجعة في إدارة الالتزامات المالية والمحفظة الإقراضية واستباقية سداد بعض القروض واستبدال بعض القروض ذات الكلفة المرتفعة بقروض أقل كلفة مما أسفر عن تحقيق وفورات مستقبلية كبيرة في كلفة أعباء الدين العام، وتراجع حجم الدين الذي قد بلغ ذروة ارتفاعه في عام 2020, وانخفض إلى 15.3 مليار ريال عماني أو ما نسبته 36.5 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023, وواصل التراجع إلى 14.4 مليار ريال عماني في نهاية النصف الأول من عام 2024، وهو قرب الحدود الآمنة التي تحد من مخاطر الدين, كما تتوقع وكالة ستاندرد أند بورز في تقريرها الأخير أن يتواصل تراجع نسبة الدين من الناتج المحلي لتبلغ 29 بالمائة في عام 2027.
إجمالاً ... تبرز التَّجربة العُمانيَّة كحالةٍ مختلفة قائمة على سياسات حصيفة ورقابة استباقيَّة تجعل النِّظام المصرفي أكثر قدرةً على امتصاص الصَّدمات، وتوجيه الموارد نَحْوَ التَّنمية المستدامة، فالاستقرار المالي والتحسن الملموس في التصنيف الائتماني يقدمان دعمًا للمضي في تحقيق المستهدفات الاقتصادية والاجتماعية لسلطنة عُمان بما يتماشى مع تنفيذ رؤية عمان 2040.