من أجل وأعظم النعم التي مَنَّ الله بها عليّ، بعد نعمة معرفته وتوحيده، أنني تعلمت منذ صغري كلما رمتني الحياة بسهامها النافذة أو جرعتني الدنيا من كؤوس مصائبها ورزاياها، أن أهرع إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حينئذٍ أشعر وكأنني أجلس إلى مائدته العامرة بالحكمة وأستريح في ظلال دوحته المباركة وألقي بآلامي وأوجاعي على صدره الحنون وأستلهم من شمائله الفياضة ونفسه الكريمة قبسا يضيء السبل المظلمة ويحيل خوفي أمنا ويأسي أملا وحزني رضا وسرورا.
ففي سيرته صلى الله عليه وسلم متسع لآمال البشر وأحلامهم.
وفي سيرته صلى الله عليه وسلم دواء لآلام البشر ومشكلاتهم.
وفي سيرته صلى الله عليه وسلم كنز لا يفنى من الحب والرحمة والحكمة والصبر والتواضع.
في سيرته صلى الله عليه وسلم المعنى التام للإنسانية الذي جاء به لتأخذ عنه الحياة إنسانيتها في أروع صورها.
كان أبنائي وتلاميذي يسألونني وهم صغار عن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا يسألون عن المعجزات الحسية التي تشبه معجزات موسى وعيسى، وغيرهما من أنبياء الله عليهم جميعا السلام، فكنت أحدثهم عن معجزاته صلى الله عليه وسلم من تسبيح الحصى وانشقاق القمر، ومشي الشجر ولين الحجر، فكانوا يشعرون بالعجب والانبهار.
ولكن الحق الذي لا مراء فيه أن الأحق بالعجب والإبهار هو معجزات صدقه وإخلاصه، وتواضعه وإيثاره، وصبره واحتماله، وعلمه وحلمه.
المبهر والمعجز حقا هو شمائله صلى الله عليه وسلم، تلك الشمائل التي تسمو فوق أن تكون مجرد صفات حسنى وأخلاق عليا اتصف وتخلق بها خاتم النبيين.
إنها في حقيقتها صفحة معجزة متفردة في تاريخ الدنيا أبدعتها الحكمة الإلهية بعلم من علمها وقوة من قوتها لتقدم للكون النموذج الأمثل من الكمال الإنساني في أروع صوره وأبهى معانيه.
إن سيرته صلى الله عليه وسلم ليست محض تاريخ نقرأه، بل هي سر من أسرار الوجود كشفته لنا الرحمة الإلهية حتى نعيشه فيلهمنا وينبهنا إلى أسمى معاني التربية الإنسانية.
هي أعلى منازل السمو بالروح والفكر والقلب، ترتقي بالمرء ليكون غناه في قلبه وقوته في إيمانه وموضعه في الحياة موضع النافع قبل المنتفع والمصلح قبل المقلد.
تلك السيرة العطرة التي ما يشرع المرء في مطالعتها إلا ويشعر أنه قد بدل بنفسه نفسا غيرها وبين جنبيه حال لا عهد له بمثلها، وإذا بالبصر والسمع والفؤاد يستحيلون جميعا إلى حال غير الحال التي عرفهم بها، فيصبح البصر بصيرة تتجاوز رؤية الناس إلى رؤية نفوسهم، وتتجاوز رؤية الجمال إلى رؤية جوهره ولبه، وتتعمق في رؤية الخير فترى حسنه، وتتعمق في رؤية الشر فترى قبحه.
ويصبح السمع وعيا وإدراكا فيدرك من خرير الماء مناجاته، ويفهم عن حفيف الأوراق نغماته، ويعرف من تغريد الطير لغاته.
ويصبح القلب سراجا مزهرا يعرف المعروف وينكر المنكر، لا يعتريه اليأس ولا يتخونه الملل، يثبت على الحق وإن لم يتحقق، ويقاوم الباطل وإن ساد وغلب، ويحمل للناس الخير وإن ردوا بالشر.
تلك هي قصة حبي لسيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأي شيء أحق بالحب بعد الله من رسول الله؟ وأي شيء يداوي آلام القلوب ويمحو أدران النفوس من تأمل شمائله وتدبر صفاته، تلك الشمائل والصفات التي يراها القلب حديقةً غناء فيحاء كل ما فيها جميل المظهر طيب المخبر، شهي الجنى، محبب إلى كل نفس.
تلك الشمائل والصفات التي تتسامى جميعها عن الأبصار وكأنها الكواكب الدرية في آفاق السماء، فلا تدرك الأبصار أيها أعلى مكانا، تلك الشمائل والصفات التي يتسابق سحرها وإعجازها إلى خلجات النفوس وسويداء القلوب، فلا تدرك النفوس أيها أعظم فيها آثارا وأرسخ بنيانا، ولا تدرك القلوب أيها أسرع إليها جريانا وفيها استقرارا.