صفعة على وجه «المنبوذ»

صفعة على وجه «المنبوذ»سعيد صلاح

الرأى1-10-2025 | 18:40

الساحة الدولية فى الآونة الأخيرة، شهدت تحولات ملحوظة فى مواقف الدول تجاه القضية الفلسطينية ، وبدأت تظهر بوادر صحوة ضمير لدي دول العالم فى الأمم المتحدة ، وراحت دول العالم تعبر عن دعمها المتزايد ل فلسطين ونبذها للسياسات الإسرائيلية التي طالما أثارت الجدل والاحتجاج على المستوى الدولي.

وفى السنوات الأخيرة، شهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن- باستثناء الفيتو الأمريكي طبعا - تصاعدًا فى الدعم الدولي للقضية الفلسطينية، العديد من الدول، خاصة من إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، أعربت عن دعمها القوي لحقوق الشعب الفلسطيني، مطالبة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطينية مستقلة تعيش فى سلام وأمان إلى جانب إسرائيل.

وقد تكررت الإدانات الدولية للسياسات الإسرائيلية، بما فى ذلك التوسع الاستيطاني فى الضفة الغربية، والحصار المفروض على قطاع غزة، والانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان الفلسطيني، والأمم المتحدة أصدرت العديد من القرارات التي تدين هذه الأفعال وتطالب إسرائيل بالامتثال للقانون الدولي.. ولكن على مدار السنوات الماضية كان لهذه المواقف تأثير ضعيف ومرجوع ذلك كما سبقت الإشارة إلى الفيتو الأمريكي الذي كان وما زال يوفر المظلة والحماية الدبلوماسية والقانونية للفعل الصهيوني المجرم فى فلسطين .

وخلال الأيام الماضية شاهدنا جميعا ذلك التسونامي السياسي الكبير، الذي يحدث فى العالم منذ أن بدأت اجتماعات الأمم المتحددة على مدار الأيام الماضية.. فهذه فرنسا تعترف رسميًا بفلسطين.. وبعدها موناكو.. ثم بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال، فى خطوة كانت شبه مستحيلة من فترة قريبة.. أرى بعين رأسي أثار تلك اللكمة وهى تظهر حمراء ملتهبة على وجه نتنياهو رئيس وزراء دول الاحتلال الذي أصبح هو وصاحبه البرتقالي أكثر شخصين منبوذين على الكرة الأرضية الآن .

هذه اللكمة أصابت النتن يا هو ورفاقه الأكثر نتانة، جعلتهم يهزون ويترنحون وكأنهم فى حالة سكر لا يدركون ما يفعلون .. فبدلا من أن يحاولوا امتصاص الغضب الأوروبي عليهم جراء جرائمهم التي لا تتوقف ضد المدنيين الفلسطينين راحوا يفعلون العكس ويزيدون من غضب العالم ضدهم بل ويصرون على تنفيذ مخططهم الشيطاني، وخرج كبيرهم الذي علمهم السحر يقول للعالم: «لن تكون هناك دولة فلسطينية»، فى الوقت الذي لا يتوقف فيه عن تنفيذ مخطط التهجير ودفع الفلسطينيين نحو منطقة المواصي على حدود مصر، وبضوء أخضر أمريكي نقله ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي شخصيًا، بل وزاد على ذلك بإعلانه عن قرب مخطط فرض السيادة الكاملة على الضفة الغربية واحتلالها، وضمها لإسرائيل!. وقد قام بتنفيذ خطوات فعلية على الأرض – ويجب ان ننتبه جميعا لذلك خصوصا نحن العرب – فقد صدق بالفعل على مشروع E1 الذي يضم حوالي 88% من أراضي الضفة الغربية للنفوذ الإسرائيلي.

بصراحة قد نلتمس العذر لهذا المعتوه فيما أصابه الجنون، لأن الخبطات نازلة على رأسه زخات وحصا كالأبابيل من كل سحابة تمر فمن يصدق أن بريطانيا الدولة التي أصدرت فى 1917 «وعد بلفور» الذي تسبب وأسس لقيام الاحتلال والتي دعمت الهجرة الصهيونية للأراضي الفلسطينية، والتي أدت للاستيلاء عليها بالكامل وحدوث النكبة سنة 1948، تعترف بدول فلسطين رسميا بل وتغير فى خرائطها، فذلك التاثير فقط مهم جدا فى معناه، بعد طبعا اعتراف فرنسا وإسبانيا وغيرهما، فهذا يدل أن أوروبا القارة العجوز قررت تسترد بعضا من شبابها وعافيتها وتخرج من العباءة الأمريكية التي طالما أرهقتها وقزمتها واستغلتها واستنفذتها، وقررت أن يكون لها دور فعال ومخالف للرأى الأمريكي على الأقل فى الشرق الأوسط، محاولة تعويض الخسائر التي لحقت بها جراء الانقياد الأعمي وراء واشنطن فى أزمة أوكرانيا .

ولم يتوقف العبث والهذيان الدبلوماسي الذي أصاب نتنياهو عند هذا الحد بل راح يخبط فى الكبيرة – الصين – وزي ما بيقولوا كده «دبور وزن على خراب عشه» فقد توعدت الصين إسرائيل برد عنيف ردا على استفزاز الكنيست، الذي زار وفد يمثله برئاسة النائب بوعز توبوروفسكي، والتقى برئيس تايوان، وأصدر بيانا بتوقيع 72 عضوا يدعو إلى الاعتراف بتايوان ودمجها فى المنظمات الأممية، وهو أكبر استفزاز يمكن أن يغضب الصين، التي لا يمكن أن تتهاون فى استعادة جزيرتها «تايوان»، والتي تعترف الأمم المتحدة والأغلبية الساحقة من دول العالم بأنها جزء من الصين، بما فيها الولايات المتحدة وأوروبا، وقد صدرت تصريحات غاضبة من الصين، وصفت فيها الوفد الإسرائيلي وبيان الكنيست بأنه لعب بالنار، ويقود إلى الهاوية.. وقد أقدمت إسرائيل على هذه الخطوة غالبا لأن الصين بدأت فى تزويد خصومه بأسلحة متطورة، تهدد التفوق الإسرائيلي الذي كان موجودا لسنوات فى المنطقة ولكنه الأن اصبح فى خبر كان .

لقد أصبح نتنياهو بالفعل شخصية منبوذة وغير مرغوب فيها على المستوى الدولي، ويواجه انتقادات واسعة بسبب سياساته وتصرفاته، خاصة فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، واستمرار الحرب فى غزة وعدم وجود حلول واضحة للمشكلة الفلسطينية جعلت نتنياهو فى موضع انتقاد من قبل العديد من الدول والمجتمع الدولي ، كما أن هناك مذكرة توقيف دولية طلب مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرة توقيف بحقه بسبب اتهامات بارتكاب جرائم حرب فى غزة، مما زاد من عزلته الدولية ، هذا فضلا عن علاقاته المتوترة مع الأمم المتحدة فهو لديه علاقة سيئة مع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، الذي انتقد بشدة «انعدام المساءلة» حول مقتل عمال الإغاثة الإنسانية فى غزة، ويزيد على ذلك - تصريحاته ومواقفه المستفزة تجاه الفلسطينيين ودعم الاستيطان فى الضفة الغربية التي زادت من حدة التوترات وتسببت له فى عزلة دبلوماسية ، فهناك العديد من الدول، بما فى ذلك بعض حلفاء إسرائيل، تتجنب التعامل مع نتنياهو بسبب سياساته وتصرفاته، مما أدى إلى عزلته الدبلوماسية ، وقد رأينا كيف واجهت طائرته صعوبات بسبب رفض كثير من الدول أن تمنحها الأذن باستخدام مجالها الجوي وهي فى طريقها إلى أمريكا ، وكيف تنسحب كل الوفود الدبلوماسية عندما يشرع فى إلقاء كلمته داخل الأمم المتحدة .

أتصور ذلك المشهد عندما يعتلي نتنياهو المنصة وتبدأ الوفود فى ترك القاعة ثم يواصل نتنياهو الحديث إلى نفسه والكراسي الشاغرة هو خير دليل على أنه صار منبوذا من الجميع واقتربت نهايته السياسية وربما نهايته من الحياة كلها.. وربما نهايته هو وصديقه البرتقالي الذي أصبح الوحيد على ظهر هذا الكوكب الذي يدعم ذلك المنبوذ ويصر على مساندته.. أتمنى أن ينتبه ترامب لهذا الموقف العالمي وهذا الوضع السياسي الجديد الذي أصبح فيه صديقه «بيبي» كلاهما يخسر الكثير من رصيده السياسي .. نتنياهو خسر كل رصيده تقريبا أما ترامب يستطيع وما زالت لديه الفرصة كي ينجو من هذا الجرف الهار ، ويتخذ بعضا من القرارات المنصفة التي قد ترجع نتنياهوعن غيه وتحقق بعضا من العدالة المفقودة فى ذلك الصراع المحتدم بالمنطقة منذ فترة طويلة.

يستطيع ترامب أن يكبح جماح نتنياهو.. يستطيع أن يحقق بالفعل انتصارا سياسيا بردع ذلك المعتوه ولو قليلا حتى يلتقط العالم أنفاسه.. يستطيع ترامب أن يغير قواعد اللعبة ويعيد ترتيب الأوراق ويعيد الهدوء النسبي الى المنطقة، لو فعل ما قاله فى اجتماعه الأخير مع القادة العرب.. يستطيع ترامب أن يفعلها وينجو من سحر نتنياهو.. ولكنه كما يبدو «ملعونا» بلعنة ذلك «المنبوذ» ومن وراءه.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان