فيما يترقب العالم بارقة أمل قد تضع حدا لمعاناة طويلة تتكبدها غزة، منذ عامين من الحرب الأشد ضراوة في تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، تقف نساء القطاع في قلب المأساة، يحملن أثقال الفقد وحدهن.
إذ فقدت كثيرات منهن السند الذي يستندن إليه في الحياة؛ زوجًا كان رفيق الدرب، أو أبًا كان مصدر الأمان، أو أخًا كان العون في الشدائد، لتتحول المرأة الغزّية إلى أم وأب وحامٍ لأبنائها في وقت واحد.
وتحت مظلة هذا الواقع القاسي، روت نساءٌ من غزة لـ"بوابة دار المعارف الإخبارية" حكايات الفقد التي غيّرت تفاصيل حياتهن وجعلتهن في مواجهة المأساة وحدهن.
هلا عصفور.. أوجاع مضاعفة
بصوت مثقل بالألم، قالت الصحفية هلا عصفور التي فقدت خطيبها الصحفي محمد سلامة، إن استشهاد محمد ضاعف عليَّ وجع الحرب بشكل لا يوصف، «فالحرب وحدها كافية لتسحق أي إنسان، لكن فقدان محمد جعل كل وجع مضاعف، وجعل كل شيء أصعب».

ثم أضافت وهي تحبس دموعها: «هو كان سندي ورفيقي في هذه الحياة، ليس فقط في الحياة بل في الميدان أيضًا، وغيابه جعلني أشعر أن هذه الحرب موجهة لي وحدي، وأنا في وجهها بلا سند».
وزفرت بأسى وهي تتذكر تفاصيل الأيام الماضية قائلة: «مع كل قصف يحدث في القطاع، ومع كل خبر عن شهيد أو جريح، أستحضر محمد معي، فهو كان يوثق كل شيء، وكان صاحب أول كاميرا توجهت لميدان خان يونس، كان مجتهدًا ومضحيًا بصورة يصعب وصفها، ورغم غيابه ما زلت أراه حاضرًا، ولو كان بيننا الآن لكان خفف عني هذا الألم».
وتابعت بصوت يختلط فيه الحنين بالحزن: «غيابه ترك بداخلي فراغًا كبيرًا لن يُعوض، لكنه حاضر معي في كل صورة، وكل كلمة، وكل شيء.. في العادة يتوجه الناس إلى الإعلام لمعرفة ما يحدث، أما أنا فكنت أتوجه مباشرة إلى محمد، وإذا سمعت خبرًا غير موثوق كنت أتصل به فورًا لأتيقن من صحته، فقد كان دقيقًا ومتابعًا ممتازًا لكل ما يجري، مهما كان صغيرًا».
واسترسلت بنبرة مترددة بين الانكسار والإصرار: «فقدان محمد جعلني أحيانًا أقل اهتمامًا بما يحدث لنا، وأحيانًا أخرى أشعر أن عليّ أن أستكمل مسيرتي الصحفية بكل قوة حتى أكون عند حسن ظنه، حتى وإذا كنت هاشة من الداخل، لكن لدي شعور دائم بالمسؤولية تجاه عملي لأن اسمي مقرون باسم محمد، وهذا يجعلني دائمًا في موضع مسؤولية، فبعد رحيله أشعر أنني يجب أن أكون صوته وأستكمل ما بدأه، متجاهلةً وجعي الثقيل الذي أنهكني».
وتنهدت وهي تستعيد وصاياه الأخيرة: «في آخر أسبوع له في هذه الحياة كان يقول لي دائمًا: عليكِ أن تستكملي عملك، وأن تجتهدي، وأن يصل صوتنا، لم أكن أعلم وقتها أنه كان يوصيني بالتشبث بمهنة الصحافة قبل أن يغادر».
ثم أشارت إلى صلابة الإنسان في غزة قائلة: «نحن لا نرضخ للوجع بطبعنا، فعندما نرى أمًّا تبكي نصبح أقوى ونصر على أن نسير للأمام، نحن نستمد قوتنا من الألم، ومن أصوات الناجين، وبالنسبة لي فأنا استمد قوتي من ذكرى محمد».
وواصلت بصوت متهدج وهي تستعيد شجاعته: «في آخر يومين له كان مكلفًا بتصوير موضوع في منطقة خطرة، ولم يكن يخشى شيئًا، حتى عندما تم محاصرة مستشفى ناصر هو كان حينها داخل المستشفى ولم يخرج وظل يوثق كل ما يحدث، لذلك عندما تتهاوى نفسي أتذكر شجاعته، فألملم ألمي وأقف على قدمي من جديد«.
ونظرت إلى السماء بعينين لم يجافِهما الدمع، واستكملت: «محمد هو من يحفزني على الاستمرار، ذكراه وحدها كافية لأن تجعلني أواصل، وكافٍ أن الله جعل لي نصيبًا في الحياة أن يدخلها شخص شريف وشجاع وبطل مثله».
واختتمت حديثها بنبرة تحمل رسالة إلى العالم: «أريد أن يعلم العالم ماذا يحدث لنساء غزة.. لسنا مجرد أرقام أو أخبار في نشرات الأخبار، نحن أمهات وزوجات وأخوات نحمل أوجاعنا بصمت وخوف، ونواصل الحياة رغم كل الخراب من حولنا، كل امرأة فقدت سندها أصبحت وحدها لأطفالها، والحرب خلّفت نسبة ضخمة من الأرامل، بعدما كانت الحياة جميلة، وفجأة فقدت المرأة زوجها وأصبحت وحيدة، نحن في النهاية نقول إننا تعبنا، ومن الصعب أن نحكي، ومن الأصعب أن ننهار، فلا رفاهية للانهيار في قطاع غزة».
انتصار البطش.. يوم لا يمحو الزمن ذكراه
"وبينما كانت هلا تواجه الحرب بلا رفيقها، وجدت انتصار نفسها تكمل الحياة بلا والدها، فبصوت مبحوح يحمل وجع الفقد، قالت انتصار إياد البطش، ابنة حي التفاح شرقي مدينة غزة، إن يوم 16 يونيو من 2025 سيبقى محفورًا في ذاكرتي ما دامت حيّة، ففي ذلك اليوم استُشهد والدي في نقاط المساعدات الأمريكية– زيكيم، ومنذ تلك اللحظة لم تعد حياتي كما كانت.
وأضافت وعيناها تلمعان بالدموع: «رحيله ترك بداخلي فجوة لا تُملأ، لقد كان والدي سندي في هذه الحياة، كنت أتكئ عليه حين تميل عليّ الحياة، فكنت أجد في قربه الأمان والطمأنينة، وكنتُ دائمًا طفلته المدللة التي لا يرد لها طلبًا، كان يفتح لي الطرق لأصنع ذاتي، ويُحقق لي ما أتمناه دون تردد».

وتنهدت بأسى وهي تستعيد وقع الخبر: «فقدانه هزني من الداخل، وزعزع ثقتي بنفسي وكسر ظهري، ولم أتخيل يومًا أنني سأودعه بتلك الطريقة القاسية، فكان مجرد سماع صوته يمنحني طمأنينة عجز العالم كله عن منحها لي».
وتوقفت لبرهة ثم تابعت بصوت مرتجف: «عندما تلقيت خبر استشهاده، شعرت أن الأرض انشقت تحت قدمي، الكلمات تعثرت في فمي، ودموعي لم تتوقف، كنتُ أتمتم لنفسي: أين صوت أبي؟ لن أسمعه مجددًا؟ لن أراه؟ كان ذلك فوق قدرتي على الاستيعاب».
وتابعت بصوت خافت: «منذ رحيله، تغير كل شيء. ضحكتي لم تعد حقيقية، وملامحي فقدت بريقها، الحياة من دونه باهتة وفارغة، كان يمنحني القوة لأكمل، واليوم أبحث عنها فلا أجدها».
ثم خفَت صوتها وهي تتحدث عن أكثر ما آلمها: «وضعت طفلتي بعيدًا عن عائلتي وأحبابي، وكان أبي ينتظرها بشوق، يحضّر لها الملابس والألعاب، ويتحدث عنها بحب، لكنه رحل قبل أن يراها، هذه الحسرة لن تزول أبدًا، فقد كان يتمنى أن يحتضنها بين ذراعيه».
واختتمت انتصار حديثها ممسكة بصورةٍ تجمعها به في حفل تخرجها من الجامعة: «أبي لم يكن مجرد والد، كان العالم كله بالنسبة لي، غيابه جرح لا يلتئم، لكنني حملت اسمه في قلبي واستمددت من ذكراه القوة لأكمل الطريق، رحل جسده، لكن حضوره رافقني في كل لحظة، في كل قرار، وفي كل نبضة حياة».
إسراء العرعير.. لا وقت للحزن
بعينين أثقلتهما الذكريات، روت إسراء العرعير، التي استُشهد زوجها في مدينة خان يونس في أكتوبر 2023 مع بداية الحرب على غزة، فصول حكايتها التي حملت وجعًا لا يُوصف، قالت وهي تضم طفلتها عبير إلى صدرها: «أنا أم لطفلة، فقدت زوجي وأخواتي وأسلافي، لكن أصعب ما مررت به كان استشهاد زوجي وأخي، فذلك الموقف حفر بداخلي جرحًا لا يندمل».
وأضافت بنبرة يغالبها الصبر: «رغم هذا كله، كان عليّ أن أظل قوية من أجل ابنتي؛ لأن في ظل الإبادة لا مجال للحزن نحن لا نعيش حربًا لأيام معدودة، نحن نعيش إبادة ممنهجة، والأمر يفوق الوصف؛ لذلك عضضت على جرحي ووقفت من جديد، ثم نزحت إلى مراكز الإيواء أبحث عن بصيص من الأمان».

وتابعت وهي تزيح دمعًا تجمع في عينيها: «كلما تسلل الحزن إلى قلبي، سمعت قصصًا أشد إيلامًا من قصتي من أفواه من حولي، أنا أختنق حين أروي حكايتي، لكنني أستمد قوتي من الله ومن وجود ابنتي، لأن المساندة من الناس كانت شبه معدومة، فالجميع يعيش أوجاعه الخاصة، ونحن نحيا بين القصف والصواريخ والشظايا في ظروف تفوق طاقة البشر».
وتنهدت بحسرة وهي تصف معاناتها اليومية: «أقسى ما في الأمر أن تكوني أمًّا وأرملة في زمن الإبادة، فيتوجب عليكِ أن تكوني الأم والأب في الوقت نفسه، أن تحمي وتُعيل وتُربّي وحدك، فالمسؤولية تفوق الوصف».
ثم وجّهت رسالة إلى العالم بصوت يحمل الغضب والرجاء: «على العالم أن يدرك أن نساء غزة يعانين كل أشكال الفقد والألم والقهر، كثيرات منّا أصبحن بلا زوج أو أب أو أخ أو ابن؛ لأن الاستهداف ضدنا لا يتوقف».
واختتمت حديثها بنبرة تفيض بالأمل رغم الوجع: «على العالم أن يوقف هذه الحرب، وعلى نساء العالم أن يخرجن في مسيرات للمطالبة بإنهائها، لقد مرّ عامان ونحن نعيش أقسى الظروف ولا أحد يسمعنا، المرأة في غزة اليوم ليست فقط أمًّا، بل هي الأب والسند والحامي لأطفالها وسط عالم صامت لا يرى ما يحدث لنا».
افتتان كساب.. حجم الألم فاق قدرة الكلمات على التعبير
هذا الواقع بما فيه من فقدان للسند وتحوّلات قاسية في الأدوار والحياة اليومية، سلّط الضوء على ما تواجهه نساء غزة من تحديات أوضحتها الناشطة النسوية افتتان كساب، قائلة: حجم الألم الذي خلّفته الحرب في غزة فاق قدرة الكلمات على التعبير، إذ عاش المواطن الغزّي واقعًا قاسيًا بعد أن فقد كل شيء، عائلات بأكملها مُسحت من السجل المدني، وتجاوز عدد الأطفال الأيتام المعدلات العالمية، فيما واجهت آلاف الأرامل حياة بلا معيل أو سند بعدما حصدت الحرب الأزواج والأشقاء والأقارب.
وأوضحت «كساب» أن تداعيات الفقد لم تقتصر على الجانب المادي فحسب، بل امتدت إلى أعماق النفس، إذ كانت المعاناة فردية وجماعية في الوقت ذاته، مادية ومعنوية، ويومية مستمرة، وعكست الوجوه الباهتة والعيون الغائرة والأجساد المنهكة حجم الدمار النفسي الذي أصاب الرجال والنساء على حد سواء، الأمر الذي انعكس بوضوح على طريقة تفاعلهم مع المجتمع الجديد الذي نزحوا إليه قسرًا، وكذلك على تعاملهم مع أسرهم وأدوارهم داخلها.

كما أشارت إلى أن من أبرز التحديات التي تواجهه النساء «فقدان السند»، سواء كان أبًا أو أخًا أو زوجًا، وهو ما اضطرهن إلى القيام بأدوار متعددة كانت في السابق تقع على عاتق الرجال، وتحمّلت كثير من النساء مسؤولية تأمين الاحتياجات الأساسية لأسرهن، من إعداد الطعام والانتظار في طوابير المساعدات، إلى السعي للحصول على المياه وتوفير ضروريات الحياة اليومية، في وقت ازدادت فيه الحاجة الملحّة إلى الشعور بالأمان.
وأكدت «كساب» أن ما قُدِّم من دعم من قبل المؤسسات الرسمية والمجتمعية لم يتناسب مع حجم المعاناة الهائل؛ لأن المرأة في غزة في أشد الحاجة إلى كل أشكال الدعم: مأوى آمن، ودخل شهري ثابت، ورعاية صحية شاملة، داعيةً إلى تشكيل لجان مشتركة تضم الجهات الرسمية والمجتمعية لتوفير تلك الاحتياجات بشكل مستدام.
واختتمت حديثها بالتشديد على أن تجربة الفقد حملت وجهين؛ فإما أن صنعت من المرأة شخصية قوية قادرة على تجاوز الظروف والمضي نحو حياة جديدة، وإما أنها تحوّلت إلى عبء أضعف طاقاتها وقدراتها، مؤكدة إنها في كلتا الحالتين تظل الحاجة ملحّة إلى رعاية نفسية موازية للرعاية الصحية، وبرامج تمكين تساعد النساء على الانخراط في المجال العام والمشاركة في صنع القرار.