بعد ليلٍ طويلٍ بلا قمرٍ خيَّم على سماء غزة عامين وثلاثة أيام، جاء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، عقب ثلاث ليالٍ من المحادثات المكثفة بين الجانبين في مدينة السلام، شرم الشيخ، بوساطة مصرية إلى جانب قطر وتركيا، ليعلن عن بزوخ الفجر من جديد لمليوني ناجٍ من الإبادة في قطاع غزة، ليعيد كلٌّ منهم ترتيب حياته أو ما تبقّى منها ما استطاع إليه سبيلًا.
الجهد الذي بذلته القاهرة في عملية وقف إطلاق النار وفتح قنوات الاتصال بين طرفي الصراع ليس وليد تلك الجولة من المفاوضات، بل، منذ الساعات الأولى للحرب، وقبل ذلك بعقودٍ، كانت مصر حريصة دومًا على دعم القضية الفلسطينية منذ نشأة الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني، كما أكّد مراقبون لـ«بوابة دار المعارف الإخبارية»، وكذلك الفلسطينيون من ميادين غزة.

لولا مصر لما توقفت الحرب
وبفرحةٍ عارمةٍ، قالت حنين عيد، إحدى سكان مخيم البريج، وسط قطاع غزة إن: "لولا الدور الذي لعبته مصر وقيادتها، لما توقفت الحرب، ف الرئيس عبدالفتاح السيسي كان يسعى منذ البداية إلى تقليص الفجوة بين حركة حماس والاحتلال الإسرائيلي، وبذل جهودًا حثيثة للوصول إلى اتفاقٍ لوقف إطلاق النار، أو على الأقل إلى هدنةٍ تُخفف من معاناتنا".
وأضافت: "الوساطة المصرية كانت العامل الحاسم في تقريب وجهات النظر، بعدما بدت الشروط بين الطرفين مستحيلة، لكن مصر وقيادتها عملتا بإصرارٍ على تجاوز تلك العقبات عبر مبادراتٍ متتالية، ومحاولاتٍ لتقريب وجهات النظر، حتى توصّل الجانبان إلى الاتفاق".
طوق النجاة
وتابعت «حنين»: "الجهود المصرية لم تتوقف عند التفاوض، بل امتدت إلى الميدان، حيث أدخلت مصر المساعدات الإنسانية عدة مرات، وحاولت كثيرًا فتح معبر رفح، رغم تعنّت الاحتلال، فما قامت به مصر يمثل لكل غزاوي طوق نجاةٍ حقيقيًّا، ومن هنا نوجّه رسالة شكرٍ وتقديرٍ إلى الشعب المصري وقيادته".

رسالة للأجيال: مصر سندنا
ومن أمام أحد مخيمات النزوح، وقف أحمد جمال الحاج، أحد الناجين من الحرب، وقال: "نحن أهل غزة، الذين ذاقوا مرارة الحرب وعاشوا أهوالها، سنروي للأجيال القادمة وللتاريخ أنّ مصر — قيادةً وجيشًا وشعبًا — وقفت مع غزة في أصعب اللحظات، ومنعت التهجير إلى سيناء، وأفشلت محاولات إفراغ القطاع من أهله لإحباط مخططات الاحتلال، ومن بينها مشروع قناة 'بن غوريون" الذي يستهدف شريان قناة السويس، واليوم، رغم الجراح والدم الذي لا يزال ينزف من غزة، نقولها بصوتٍ واحدٍ من قلب الصمود: تحيا مصر... عاشت مصر، ودامت سندًا لنا ولقضيتنا العادلة."

ومع شعور بالأمل، قالت أحلام حماد من مدينة غزة إن: "شعب غزة، رغم ما يعانيه على مدار سنوات طويلة من حصار وحروب، يطمئن جدًا للدور المصري، وهو دور تاريخي ليس غريبًا على مصر التي تربطها علاقات تاريخية ممتدة."
الأقرب القضية الفلسطينية
وأضافت: " مصر هي الدولة الأقرب لفهم تفاصيل القضية الفلسطينية والأقدر على لعب دور الوسيط والمساند للفلسطينيين وحقوقهم الوطنية."
كما أشارت إلى أنه منذ اللحظات الأولى للحرب، وكما عودتنا مصر في حروب وأزمات سابقة، سعت لوضع حد لهذه الحرب وعدم إطالتها، وعندما بدأت المباحثات في شرم الشيخ ولد تفاؤلنا بأن الحل سيكون على الأرض المصرية، ونحن في غزة نكون أكثر اطمئنانًا ويقينًا عندما تتولى مصر أي جهد يتعلق بالقضية الفلسطينية."

وقف نزيف الدم
أما طارق دحلان، الصحفي والمراسل الميداني، ابن مدينة خان يونس، فقال بصوت يحمل الإيمان والثقة: "كمواطن من غزة، أشعر بالاطمئنان تجاه الدور المصري في هذه الأزمة؛ لأن مصر كانت وما زالت القريبة من همومنا، تلعب دورًا محوريًا في جهود التهدئة بين إسرائيل وحركة حماس، وتعمل بكل جهد لوقف نزيف الدم وحماية المدنيين."
وأضاف: "منذ الأيام الأولى للتصعيد، كانت القاهرة حريصة على تحقيق هدنة إنسانية تمنع مزيدًا من المعاناة، ونسعى نحن هنا في غزة إلى رؤية أثر هذه الجهود على أرض الواقع، خصوصًا في فتح معبر رفح لتسهيل مرور المساعدات والإجلاء الطبي. بالنسبة لنا، كثير من السكان يرون في مصر نافذتهم الأخيرة إلى العالم، وسيطًا يحمل همّ الإنسان قبل الحسابات السياسية."

ومن المنظور الحقوقي، قال الدكتور صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم فلسطين، إن: "الدور المصري ظلّ محوريًا منذ بداية العدوان على غزة، باعتباره الجهة الإقليمية الأكثر قدرة على الوساطة المباشرة بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، فالقاهرة لعبت دورًا حاسمًا في ضمان التوصل إلى اتفاقات وقف إطلاق النار المؤقتة، وصولًا إلى الاتفاق الأخير الذي كان لمصر، بمشاركة قطر وتركيا، الدور الأساسي فيه، إلى جانب تأمين إدخال المساعدات الإنسانية رغم كل العراقيل الإسرائيلية، واستضافة معظم الجرحى، وتنسيق الجهود مع الأمم المتحدة والدول والمنظمات الإنسانية لضمان وصول المساعدات."
مصر وصد مخططات التهجير
وأضاف: "الدبلوماسية المصرية عملت على تشكيل حائط صد أمام مخططات التهجير القسري، ومنعت انهيارًا شاملًا للوضع الإنساني والسياسي في غزة، وحافظت على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، بما فيها فصائل المقاومة والولايات المتحدة وإسرائيل، كما قدمت خطة لإعادة الإعمار والتعافي، مع التخطيط لعقد مؤتمر دولي لإعادة الإعمار لضمان تبنّي آلية تمويل محمية قانونيًا عبر إنشاء صندوق دولي لإعادة الإعمار."
واختتم «عبدالعاطي»: "المطلوب اليوم من القاهرة والمجتمع الدولي، إلى جانب رعاية الحوار الوطني الفلسطيني وإنجاز مؤتمر إعادة الإعمار ودعم صمود الشعب الفلسطيني، هو منع الاحتلال من مواصلة الإبادة أو العودة للحرب، والمساهمة في قيادة الجهود الدولية للانتقال من إدارة الأزمة إلى منع تكرارها، ومن الوساطة السياسية إلى الضمان الحقوقي لحياة وكرامة المدنيين الفلسطينيين، وإعادة الإعمار، وضمان مقاربة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وصولًا إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وفقًا لقرارات الأمم المتحدة."

تحركات عاجلة
وبدوره يرى ثائر أبو عطيوي، الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، أن مصر لعبت دورًا رئيسيًا ومهمًا في الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في قطاع غزة منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب، إذ قامت بتحركات سياسية ودبلوماسية عاجلة وسريعة مع الدول العربية والمجتمع الدولي لمعالجة الأزمة والعمل على إيقاف الحرب، من خلال تحركاتها الخارجية والدبلوماسية مع جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك حركة حماس وإسرائيل، للتوصل إلى قواسم مشتركة وصيغ تفاهم تؤدي إلى وقف إطلاق النار.
وأشار إلى أن مصر نجحت في العام الأول من الحرب، بفضل جهودها المستمرة وعقد اللقاءات والاجتماعات مع الجانبين ووسطاء التفاوض في قطر والولايات المتحدة، في الوصول إلى هدنة إنسانية مؤقتة، واليوم وصلت من خلال تظافر جهودها الحثيثة والمستمرة إلى مفاوضات شرم الشيخ الحالية، التي لعبت فيها الدور الأهم والأبرز في إدارة المفاوضات وتذليل العقبات، ما أدى إلى وقف إطلاق النار واقترابه التوقيع النهائي على إنهاء الحرب بشكل دائم ونهائي على غزة.
الأكثر أهمية
وأكد «أبو عطيوى» أن الدور المصري كان الفاعل والأكثر أهمية في التأثير على طرفي العلاقة في الحرب، فكان نجاح مصر في تقريب وجهات النظر بين الطرفين وتذليل كافة العقبات أساسًا لإنجاح مفاوضات شرم الشيخ، والتي تم بفضلها إنجاز اتفاق تاريخي يضع نهاية لحرب الإبادة على قطاع غزة، ويثبت أن احتضان مصر كان العامل الأساسي والعنوان الأهم لكل تلك المفاوضات.
وعن السيناريوهات القادمة لواقع قطاع غزة، فأشار إنها ستتركز في المرحلة الأولى على الجانب الإنساني والإغاثي العاجل، نظرًا للحاجة الملحة نتيجة الحصار الإنساني والاقتصادي الذي امتد لعامين من الحرب، وإغلاق الاحتلال الإسرائيلي للمعابر والمنافذ الإنسانية، كما ستنصب الجهود على إغاثة النازحين والمهجرين الذين هدمت منازلهم وتدمَّرت حياتهم، لتستمر المرحلة المقبلة بعد انتهاء الحرب في تقديم الدعم المستمر حتى يتخطى القطاع أزمته الإنسانية والمعيشية من مسكن ومأكل ومشرب وعلاج وتعليم، قبل الانتقال إلى مرحلة الإعمار والبناء وإعادة تأهيل قطاع غزة للحياة الإنسانية والعمرانية من جديد.

مفتاح الاستقرار الإقليمي
وفي السياق ذاته، قال الدكتور عائد زقوت، المحلل السياسي الفلسطيني، إن مصر كانت ولا تزال مفتاح الاستقرار الإقليمي وصمام الأمان في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن غياب القاهرة عن أي مسار تفاوضي يعني بالضرورة استمرار الحرب واتساعها.
وأكد أن الدور المصري لم يعد مجرد عنصر فاعل في الإقليم، بل أصبح حقيقة تاريخية ثابتة تؤكدها الوقائع المتلاحقة، إذ شكّل حضور القاهرة في مفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس حجر الزاوية في تحقيق التهدئة ومنع الانفجار الإقليمي، بفضل ما تمتلكه من شرعية تاريخية وثقة متبادلة وخبرة عميقة في إدارة الملف الفلسطيني.
دبلوماسية وقائية
وأوضح أن الرئيس عبد الفتاح السيسي تبنّى منذ اندلاع الحرب نهج "الدبلوماسية الوقائية"، جامعًا بين الحزم والمسؤولية، واضعًا خطوطًا حمراء واضحة: لا للتهجير الجماعي، لا للاقتحام الشامل، ولا لأي حل خارج الإرادة الفلسطينية.
وتابع قائلًا إن القاهرة نجحت في تحويل وقف إطلاق النار من إنجاز ميداني إلى منعطف سياسي أعاد للعرب صوتهم ومكانتهم، بينما واجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مأزقًا داخليًا متصاعدًا وضغوطًا أميركية وأوروبية متزايدة، زادها الموقف المصري الحازم الذي رفض أي التفاف على الحقوق الفلسطينية.
واختتم بالقول إن استقرار المنطقة يبدأ من القاهرة، فهي لا تملك فقط مفاتيح الجغرافيا والتاريخ، بل أيضًا مفاتيح الحلول الدائمة التي تعيد للفلسطينيين كرامتهم وللعرب صوتهم.