بعد مرور خمسةٍ وعشرين عامًا على استشهاد الطفل محمد الدرة، ما زال والده جمال الدرة يحمل في ذاكرته مشهد الفقد كما لو أنه حدث بالأمس. جرحٌ لم يندمل، وصورة تحولت إلى أيقونة خالدة تختصر معاناة شعبٍ بأكمله.
وفي هذا الحوار المؤثر لـ بوابة «دار المعارف»، يتحدث والد محمد عن الذكرى، وعن واقع غزة اليوم بعد الحرب الأخيرة، حيث الأمل يقاوم الدمار، والإيمان بالله يمنح الفلسطينيين قدرة لا تنكسر على الصمود والبقاء.
رغم مرور ربع قرن.. الذكرى لا تمحى
برغم مرور ربع قرن، لا أستطيع أن أنسى أو أتجاهل فقدان ابني محمد. كنت أحميه بين ذراعي عندما أصبت بعدة رصاصات ما زالت آثارها تؤلمني حتى اليوم. أشعر يوميًا بأن المشهد يتكرر أمامي، وكأن الحادثة لم تنتهِ بعد.
المشهد لا يفارق الذاكرة
نعم، المشهد لا يفارقني أبدًا، يرافقني في حياتي اليومية وحتى في منامي. وما يزيد ألمي أن صور استشهاده تُعرض باستمرار في وسائل الإعلام، خصوصًا خلال الحروب على غزة، فتعود الذكرى من جديد وكأنها حدثت بالأمس.
محمد.. طفل بملامح رجل
كان في الثانية عشرة من عمره، لكنه بدا أكبر من سنه، قوي البنية، شهمًا وكريمًا.
كان يحب مساعدة الآخرين، ويقضي وقته بين البحر والمدرسة. كان يعشق البحر، ودائمًا يهدي والدته صورة للمسجد الأقصى اشتراها من مصروفه. الجميع كان يحبه، أصدقاءه في الحي والمدرسة وحتى من هم أكبر منه سنًا.
وجع لا يزول
فقدان الابن جرح لا يندمل. الحادثة هزّت العالم، لكنها دمرت جزءًا من حياتي. ومع ذلك، علاقتي بالمجتمع ما زالت تقوم على الحب والاحترام، وأينما ذهبت أجد الناس تقترب مني وتجلس لتسمع قصتي.
العالم أنصف محمد.. لكنه ما زال رمزا لشعب بأكمله
نعم، كان هناك إجماع عالمي على إدانة الجريمة. لكن القضية ليست قضية محمد فقط، بل قضية وطن وشعب ودماء سالت عبر عقود من الاحتلال.
محمد أيقونة الطفولة الفلسطينية
أصبح رمزًا عالميًا لمعاناة الأطفال الفلسطينيين. هناك آلاف الشهداء من الأطفال، وكل واحد منهم هو “محمد الدرة جديد”. صورته اختزلت قصة وطن بأكمله.
حين رأيت المشهد للمرة الأولى
لم أكن أتخيل أن تهز صورة ابني ضمير العالم بهذا الشكل. كنت في وضع صحي صعب بعد الحادثة ومكثت في العناية المركزة فترة طويلة. عندما رأيت المشهد للمرة الأولى بعد خروجي من المستشفى، بكيت كثيرًا.
رمزية محمد لا تموت
حتى الأجيال الجديدة التي لم تكن مولودة عام 2000 تتواصل معي، تعيد نشر صورته وتروي قصته. محمد أصبح رمزًا خالدًا في ذاكرة فلسطين والعالم.
وفاء الإعلام العربي
الإعلام العربي ما زال وفيًا لذكرى محمد، ودائمًا يتواصل معي في كل مناسبة تخصه أو في ذكراه السنوية. هذا الوفاء ساعد في إبقاء قضيته حيّة.
انتشار عالمي للمشهد الأول
المشهد صُوّر بعدسة المصوّر الفلسطيني طلال أبو رحمة لقناة فرنسية، وكان مديرها شار أندرلان هو من أرسل الفيديو إلى فرنسا. الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك أمر ببثه مجانًا لكل القنوات العالمية، لينتشر المشهد في أنحاء العالم كما هو.
محاولات لتشويه الحقيقة
نعم، حاول الاحتلال قلب الحقيقة وتشويهها، حتى أنهم نشروا صورًا مفبركة وضعوا فيها قبعة صهيونية على رأسي ورأس محمد. قالوا تارة إننا يهود، وتارة إن محمد حي! طالبت بلجنة تحقيق دولية تضم عربًا وأجانب، لكن الاحتلال تجاهل الطلب رغم صدوره من مكتب نتنياهو.
القضية الفلسطينية.. ما زالت تنبض بالحياة
القضية الفلسطينية ستبقى حية ما دام الاحتلال قائمًا. سنواصل النضال حتى نحقق حلمنا بإقامة دولتنا المستقلة وعاصمتها القدس.
تضحياتنا أثمرت دعمًا دوليًا متزايدًا
نعم، فقد أدت تضحيات شعبنا إلى اعترافات دولية متزايدة بحقوقنا، وعودة كثير من أبناء شعبنا إلى أرضهم. وبعد أحداث أكتوبر الأخيرة، اعترفت العديد من الدول الغربية بالقضية الفلسطينية ودعمت حل الدولتين.
الدور المصري.. ثابت ومشرّف
الدور المصري تاريخي وثابت. مصر كانت ولا تزال الشقيقة الكبرى التي تبذل كل جهد لوقف العدوان عن شعبنا.
منذ اندلاع الحرب الأخيرة لم تهدأ القاهرة، والرئيس عبد الفتاح السيسي والحكومة والشعب المصري قدموا جهودًا عظيمة مشكورة.
الهدنة لا تعني السلام
لا أثق بأن الهدنة ستقود إلى سلام دائم، فالاحتلال لا يلتزم بالعهود. يحلم بإقامة “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات، كما أعلن نتنياهو نفسه، فكيف نثق بسلام مع من ينقض كل اتفاق؟
موقف دولي منقسم
الموقف منقسم؛ بعض الدول دعمت الاحتلال وشاركت في حرب الإبادة ضد شعبنا، بينما وقفت دول أخرى إلى جانب العدالة.
أمريكا للأسف منعت أي تحرك دولي بفيتو متكرر، وزودت الاحتلال بكل أنواع الأسلحة، حتى المحرّمة منها.
بعد وقف إطلاق النار... غزة تنهض من تحت الركام
بعد وقف إطلاق النار، بدأ آلاف الفلسطينيين بالعودة من الجنوب إلى الشمال، لكن المشهد مؤلم للغاية.
معظم العائدين وجدوا بيوتهم مدمّرة بالكامل، والأحياء التي عاشوا فيها سُويت بالأرض. بعضهم لم يتمكن حتى من تحديد موقع منزله السابق، فلا بنية تحتية، ولا مياه، ولا مقومات للحياة — فقط صحراء قاحلة وركام.
هناك من اضطر للبقاء في الجنوب أو الانتقال إلى المنطقة الوسطى بحثًا عن الحد الأدنى من الاستقرار والمياه، وهي أساس الحياة.
كيف يمكن أن تعود الحياة طبيعية بعد أن فقد كل منا أهله وأحباءه وجيرانه وأصدقاءه؟ هناك عائلات أُبيدت ومسحت من السجل المدني، وبيوت أُزيلت من الوجود.
لكن الأمل بالله لا يموت، ونحن نعيش على يقين بأن الله لن يضيع شعبًا صامدًا على أرضه.
رسالة إلى القيادات الفلسطينية
يجب إنهاء الانقسام فورًا. انقسامنا هو سبب ضعفنا، ووحدتنا هي قوتنا الوحيدة في وجه الاحتلال.
رسالة إلى العالم
نريد أن نعيش بسلام مثل باقي الأمم، في دولة حرة آمنة، وأن ينعم أطفالنا بحياة بلا خوف أو احتلال أو دمار.
قمة شرم الشيخ للسلام.. أمل حذر
نتمنى أن تكون بداية جديدة، لكن التجارب السابقة تجعلنا حذرين. الاحتلال لا يحترم المعاهدات، كما حدث مع اتفاق أوسلو الذي نسفه بالكامل واستمر في التوسع والاستيطان رغم توقيعه أمام العالم.