لم يكن محمد فوزي يعرف أن الجسد الذي أسعد الملايين سيخذله في النهاية بصمتٍ موجع.
كان في قمة عطائه الفني، يوزّع الفرح كعادته، ويغنّي للأطفال والناس والبسطاء، حين بدأت أول علامات المرض تهمس في جسده دون سابق إنذار.
لكن حتى في مرضه، ظل فوزي يغني... ربما كان يشعر أن اللحن هو طوق نجاته الأخير من الغرق في الوجع.
البداية.. ألم غامض لا يُشخَّص
في مطلع عام 1963، بدأ فوزي يشعر بآلام غريبة في عظامه وصعوبة في الحركة. ظن في البداية أنها إرهاق عابر من العمل والسفر المتواصل، لكنه سرعان ما لاحظ أن جسده بدأ يفقد وزنه بشكلٍ غير طبيعي.
ذهب إلى الأطباء في القاهرة، لكن لم يستطع أحد أن يشخّص حالته بدقة، فظن البعض أنه مصاب بالدرن، وآخرون قالوا إنها حالة نادرة من ضعف العظام.
لكن الألم كان يتوحش يومًا بعد يوم، فقرر السفر إلى ألمانيا بحثًا عن الأمل، وهناك جاءت الصدمة: الأطباء أخبروه أنه يعاني من مرض نادر يتسبب في تآكل خلايا العظام بالكامل، ولم يُكتشف له علاج بعد.
كان المرض بطيئًا، قاسيًا، وكأن الجسد يذوب تدريجيًا أمام صاحبه دون قدرة على المقاومة.
"أنا عارف إني همشي"”.. استسلام المتصالح مع القدر
رغم قسوة التشخيص، لم يفقد محمد فوزي ابتسامته. كان يرسل رسائل صوتية من المستشفى لأصدقائه وزملائه يقول فيها بصوتٍ واهن لكنه مفعم بالإيمان: "أنا عارف إن نهايتي قربت، بس راضي، لأن ربنا اختار لي طريقًا يطهرني من الدنيا".
كتب أيضًا في إحدى رسائله إلى الجمهور المصري: "أرجوكم ما تزعلوش عليّ، اعتبروني واحد كان بيحبكم وساب عندكم شوية ألحان فيها قلبه".
تحول فوزي في أيامه الأخيرة إلى درس في الرضا، لم يشكُ، لم يتذمر، بل ظل يوصي من حوله بالحب والتسامح، ويطلب فقط أن تُسمع أغانيه للأطفال دائمًا، لأن "ضحكتهم هي النشيد اللي يستحق يعيش".
النهاية.. جسد يذوب وصوت لا يموت
في المستشفى الألماني، بدأت حالته تتدهور سريعًا، حتى أصبح لا يستطيع الوقوف أو تحريك أطرافه.
الأطباء وصفوا مرضه بأنه من أندر الحالات في العالم، حيث يتآكل العظم بالكامل ويستبدله النسيج الليّن، مما يجعله عاجزًا عن الحركة تمامًا.
ورغم الوجع، كان يطلب من زوجته أن تشغل له أغانيه القديمة، يبتسم وهو يسمع "ماما زمانها جاية"، ويقول لها: "شايفة؟ لسه الصوت ده ممكن يضحك طفل في بلدنا".
في 20 أكتوبر 1966، توقّف الجسد المنهك، لكن لم يتوقف صدى صوته.
رحل محمد فوزي عن عمرٍ لم يتجاوز الثامنة والأربعين، تاركًا خلفه إرثًا من النور والحنين، وموسيقى ما زالت قادرة على تضميد الجراح.
إرث من الضوء رغم العتمة
لم تمت أغاني محمد فوزي، لأنها لم تُخلق لتعيش في زمنٍ واحد.
ألحانه لا تزال تُغنّى، وابتسامته التي كانت تضيء الشاشة لا تزال محفورة في وجدان أجيال لم تلتقه، لكنها أحبته من بعيد.
لقد رحل فوزي الجسد، لكن بقي فوزي القلب، الرجل الذي واجه الألم بالغناء، واستقبل الموت بابتسامة طفلٍ شبع من الحياة.
رحل وهو يقول للعالم:
"الفن عمر أطول من الجسد، واللحن الحقيقي لا يموت".