في السادس والعشرين من أكتوبر تحلّ ذكرى ميلاد الإعلامي الراحل وائل الإبراشي، أحد أبرز الأصوات التي شكّلت وجدان الإعلام المصري خلال العقود الأخيرة. رحل الجسد، لكن صوته الهادئ وقدرته على فتح الملفات الصعبة ظلّا شاهدين على زمنٍ لم يكن فيه المايكروفون مجرد أداة، بل مسؤولية تجاه الناس والوطن.
وُلد وائل حسن الإبراشي عام 1963 في مركز شربين بمحافظة الدقهلية، ونشأ في أسرة متوسطة زرعت فيه القيم البسيطة والانحياز للناس. بدأ مشواره في عالم الصحافة صغيراً، يحمل شغفاً بالكلمة، فعمل في مجلة "روز اليوسف" ثم انتقل إلى جريدة "صوت الأمة" التي تولّى رئاسة تحريرها لاحقاً، مقدّماً لوناً صحفياً جريئاً يقترب من الحقيقة دون خوف أو تردد.
عرفه الجمهور على نطاق واسع عندما اقتحم مجال الإعلام المرئي، فكانت تجربته في برنامج "الحقيقة" على قناة دريم خطوة أولى نحو الشهرة. بأسلوبه المميّز وقدرته على إدارة الحوارات الصعبة، استطاع أن يقدّم نموذجاً جديداً لمذيع التوك شو القادر على الجمع بين المهنية والإنسانية. ثم واصل نجاحه في برنامج "العاشرة مساءً" الذي أصبح من أبرز البرامج الجماهيرية في مصر، لما تناوله من قضايا تمسّ حياة المواطن اليومية، من الفساد إلى الأزمات الاجتماعية، مروراً بالقصص الإنسانية التي كانت الأقرب إلى قلبه.
وفي سنواته الأخيرة، قدّم برنامج "التاسعة" على القناة الأولى المصرية، حيث حاول أن يعيد للتلفزيون الرسمي بريقه من خلال لغة هادئة ورؤية موضوعية بعيداً عن الصخب والمبالغة.
لم يكن وائل الإبراشي مجرد مقدم برامج، بل كان صحفياً يؤمن أن الإعلام رسالة، وأن البحث عن الحقيقة واجب لا يعلوه خوف ولا مصلحة.
واجه في مسيرته تحديات كثيرة، من هجوم خصومه إلى الضغوط المهنية، لكنه ظلّ محافظاً على هدوئه وثقته في نفسه، مؤمناً بأن المشاهد المصري ذكي ويدرك الفرق بين المصداقية والمزايدة.
حتى في أوقات الجدل، كان الإبراشي يخرج بابتسامة لا تخلو من الحكمة قائلاً: "الإعلام الحقيقي هو اللي يخلي الناس تفكر مش تصدّق بس."
وفي أواخر عام 2020، أصيب بفيروس كورونا، ودخل في رحلة علاج طويلة استمرت أكثر من عامين، ظلّ خلالها محط دعاء الجمهور ومحبّيه الذين ارتبطوا به على مدى سنوات. وفي التاسع من يناير 2022، غيّبه الموت، لكنه ترك وراءه أرشيفاً ثرياً من الحوارات واللقاءات والبرامج التي وثّقت مرحلة مهمة من تاريخ مصر الإعلامي والسياسي.
وائل الإبراشي لم يكن مجرد إعلامي ناجح، بل مدرسة متكاملة في الصبر والالتزام والجرأة المتوازنة. أحبّ الناس ببساطة، واحترم الكلمة، وآمن أن الإعلام لا يُقاس بعدد المشاهدات بل بصدق الرسالة.
وفي ذكرى ميلاده، يبقى اسمه محفوراً في ذاكرة المشاهدين كرمز لإعلام يضع الحقيقة فوق كل اعتبار، ورجل آمن أن الكلمة الصادقة قد تغيّر الواقع أكثر من ألف خطاب.