كمال الملاخ.. المهندس الذي أبحر بروح خوفو إلى الخلود

كمال الملاخ.. المهندس الذي أبحر بروح خوفو إلى الخلودكمال الملاخ

ثقافة2-11-2025 | 15:40

في صباح من ربيع عام 1954، كانت الرمال الصفراء عند قاعدة الهرم الأكبر تخبئ سراً عظيماً منذ آلاف السنين.

وبينما كانت الشمس ترسم ظلالها على وجه خوفو الحجري، كان المهندس المصري كمال الملاخ على موعدٍ مع القدر، ليُعيد للحياة واحدة من أروع معجزات الحضارة المصرية القديمة: مراكب الشمس.

من الفن إلى الآثار.. رحلة عاشق التاريخ

ولد كمال وليم يونان الملاخ في السادس والعشرين من أكتوبر عام 1918 بمحافظة أسيوط. تخرّج في كلية الفنون الجميلة قسم العمارة عام 1943، ليجمع بين روح الفنان ودقة المهندس، ثم حصل على ماجستير في اللغة المصرية القديمة وآثارها.
بدأ الملاخ عمله في مصلحة الآثار مهندسًا لترميم المعابد والتماثيل، وكان من أوائل المصريين الذين تعاملوا مع الآثار ككائنٍ حيٍّ يتنفس التاريخ، لا كأحجارٍ صامتة.

اكتشاف يغيّر وجه التاريخ

في السادس والعشرين من مايو عام 1954، وأثناء عمله بجوار الهرم الأكبر، لاحظ الملاخ وجود صف من الأحجار الضخمة يختلف في ترتيبه عن بقية الجدران المحيطة. وبعد إزالة الغبار المتراكم، ظهرت فتحة ضيقة تؤدي إلى حفرة عميقة مغطاة باثنتين وأربعين كتلة من الحجر الجيري.

حين فُتحت الحفرة، انبعثت رائحة خشب الأرز العتيق، ومعها خرجت أنفاس التاريخ من سباتها. كانت هناك قطع خشبية مفككة يبلغ عددها أكثر من ألف ومئتين وأربع وعشرين قطعة، جميعها مرتبة بعناية مذهلة في طبقات، وكأن المصري القديم كان يعلم أن أبناءه سيعودون يوماً ليركبوا السفينة من جديد.

مركب الشمس.. الرحلة إلى الأبدية

بعد دراسة دقيقة، تبيّن أن تلك القطع تعود إلى مركب جنائزي ضخم أُعدّ خصيصًا للملك خوفو ليبحر به في رحلته الأبدية مع إله الشمس "رع".

استغرق العمل في إعادة تركيب المركب عشر سنوات كاملة، حتى ظهرت السفينة في شكلها المهيب: طولها أكثر من ثلاثة وأربعين متراً، وعرضها يقارب ستة أمتار، وبدون استخدام مسمارٍ واحد، إذ كانت الأخشاب تُربط بالحبال المصنوعة من نبات الكتان.

بين الشمس والمجد

أطلق الملاخ عليها اسم "مراكب الشمس"، لأنه اكتشف أن الحفرة المجاورة تخفي مركباً ثانياً لم يُفتح إلا بعد عقود، وبذلك لم يكن الاكتشاف مجرد أثرٍ أثري، بل نافذةً جديدة على عقيدة المصري القديم في البعث والخلود، وكيف رأى أن الموت ليس نهاية، بل رحلة على ظهر مركب يقوده رع نحو الأبدية.

كمال الملاخ.. الإنسان الذي رأى النور في باطن الأرض

لم يكن الملاخ مجرد مكتشف، بل صاحب رؤية ثقافية متكاملة. جمع بين حس الفنان ودقة العالم، فكتب، ورسم، وألقى المحاضرات، وأسّس مفهوماً جديداً لحفظ التراث الوطني المصري. كان يرى في كل حجر حكاية، وفي كل نقش سيرة إنسان.

ورحل كمال الملاخ في 29 أكتوبر عام 1987، بعد أن ترك خلفه أعظم اكتشاف أثري في القرن العشرين. لكنه لم يرحل فعلاً، فكل زائر لمتحف مركب الشمس يشعر أن روحه ما زالت هناك، تراقب ذلك المركب الخشبي الذي حمل خوفو إلى السماء، وحمل اسم الملاخ إلى الخلود.

أضف تعليق

بيان النصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان