في مثل هذا الأيام من عام 1985، سكت الصوت الذي غنّى باسم الناس، وصاغ من العامية لغةً للشعر، ومن الكلمة سلاحًا للمقاومة والحلم.
إنه فؤاد حدّاد، الشاعر الذي لم يكن مجرد كاتب أبيات، بل وجدان وطن بأكمله.
المتنبي الذي تحدّث بلسان الشارع
لقبوه بـ متنبي العامية المصرية، وسمّاه البعض صوت الجموع المفرد، وآخرون الشاعر المناضل.
لكن خلف كل هذه الألقاب، كان يقف رجل بسيط، يرى في الشعر مسؤولية لا تُشترى ولا تُورّث.
ولد فؤاد حداد في حي الظاهر بالقاهرة عام 1927، لأب لبناني وأم سورية، لكنه أحب مصر حتى النخاع، فصار جزءًا من ترابها وكلماتها ولهجتها.
أول من كُتب في بطاقته: المهنة "شاعر"
لم يكن الشعر عند فؤاد حدّاد هواية، بل مهنة العمر ولقبه الذي لم يفارقه.
فهو أول من كُتبت في بطاقته الشخصية مهنة "شاعر"، أثناء عمله في مجلة "صباح الخير"، رافضًا أي لقب آخر مهما بدا براقًا.
كان يقول دائمًا إن الكلمة مسؤولية، وإن الشاعر الحقيقي لا يبحث عن شهرة، بل عن أثر.
شاعر السجن والحرية
في منتصف الخمسينيات والستينيات، اعتقل فؤاد حدّاد مرتين بسبب مواقفه السياسية وانحيازه للحرية والعدالة.
وفي الزنزانة، لم يكتب عن الألم بل كتب للأمل.
أصدر ديوانه الأول «أحرار وراء القضبان» عام 1952، ليؤكد أن السجن لا يُطفئ صوت الشاعر، بل يجعله أكثر صدقًا.
المسحراتي.. حين صار الشعر صوت الفجر
لم يكن الجمهور بحاجة ليرى وجه فؤاد حدّاد ليعرفه، فقد كان صوته حاضرًا كل فجر عبر قصائد المسحراتي، التي غنّاها سيد مكاوي.
كانت تلك الكلمات تسري في شوارع القاهرة كجرعة من الأمل، توقظ في الناس شعور الانتماء، وتذكّرهم بأن مصر ما زالت تتنفس.
شاعر الوطن والناس
كتب للوطن كما كتب للحب، للشارع كما كتب للسماء.
كان يرى في البسطاء ملائكة يمشون على الأرض، فكتب عنهم وعن تعبهم وعن أحلامهم الصغيرة التي تشبه الحقول والمراكب والنخيل.
ومن بين أعماله التي لا تُنسى: الأرض بتتكلم عربي، وتعالى نلضم أسامينا.
إرث لا يموت
رحل فؤاد حدّاد في الأول من نوفمبر عام 1985، عن عمر ناهز 58 عامًا، تاركًا خلفه 33 ديوانًا، منها 17 في حياته، والباقي بعد رحيله.
لكن كلماته لا تزال تمشي بيننا، بلهجتها المصرية الصافية، وصدقها الذي لا يُقلّد.
لقد كان حدّاد شاعرًا عاش للوطن، ومات وهو يحمل في قلبه إيمانًا بأن الكلمة قادرة على أن تغيّر العالم.