هل تقود الهدنة التى وقعها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ونظيره الصينى شى جين بينج فى مدينة بوسان بكوريا الجنوبية، لإيقاف حرب تجارية شرسة ألحقت أضرارا جسيمة بأكبر اقتصادين فى العالم نتيجة التعريفات الجمركية المرتفعة والإجراءات الانتقامية المتبادلة؟!
هشاشة الاتفاق الذى يفترض أن يستمر لمدة عام، وعدم تطرقه لمسائل الخلاف الجوهرية بين الطرفين، حسبما أكد محللون، تثير العديد من التساؤلات حول مدى صموده أمام تقلبات السياسة، وحجم التنازلات التى قدمها كل طرف حتى يتم التوصل إليه فى هذا التوقيت.
وفقا لتقرير نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، فإن هذه الهدنة رغم ضيق نطاقها تعكس تحولا عميقا فى المشهد الدولى، حيث تتراجع مظاهر الهيمنة الأحادية الأمريكية أمام صعود منظومة اقتصادية موازية تقودها بكين بثقة متزايدة.
وأوضحت الصحيفة، أن الرئيس الصينى شى جين بينج حرص خلال اللقاء على إظهار توازن الرمزية بين «الحلم الصينى» و»رؤية ترامب لجعل أمريكا عظيمة من جديد» حين قال مخاطبا نظيره الأمريكى «أؤمن بأن نهضة الصين يجب أن تسير جنبا إلى جنب مع رؤيتكم لجعل أمريكا عظيمة مجددا»، لكن خلف هذه العبارات الودية، كما تقول الصحيفة، كان هناك تحول جوهرى فى ميزان القوة بين الطرفين.
وأضافت الصحيفة البريطانية، أنه بعد عقد من التراجع أمام العقوبات والرسوم الأمريكية أصبحت بكين اليوم أكثر استعدادا للمواجهة وأكثر قدرة على توظيف أدواتها الاقتصادية سلاحا جيوسياسيا، فمنذ إعلان ترامب فى أبريل الماضى عما سماه «يوم التحرير التجارى» عبر فرض رسوم جمركية تصاعدت إلى 145%، نجحت الصين فى الرد بالمثل وإجبار واشنطن على تعليق القرار مؤقتا.
وتابعت، أن هذه الوقائع كشفت أن الصين لم تعد تستجيب لضغوط واشنطن، بل «ترد بالمثل وتفرض شروطها»، وأن البيت الأبيض «يقبل اليوم بحقيقة أنه يتعامل مع منافس ندى قادر على إحداث ضرر اقتصادى حقيقى».
وأشارت «فايننشال تايمز»، إلى أن تصريحات المسئولين الأمريكيين تعكس إدراكا متزايدا بأن الصين أصبحت قادرة على «إعادة تشكيل الاقتصاد العالمى بما يخدم مصالحها»، فمع انكماش خيارات واشنطن أمام قيود المعادن النادرة وتراجع إنتاجها المحلى فى بعض الصناعات التكنولوجية باتت أدوات الضغط الأمريكية أقل تأثيرا مما كانت عليه قبل عقد من الزمان.
وترى «فايننشال تايمز»، أن «الاختبار الحقيقى» للعلاقة بين الجانبين سيظهر خلال الأشهر المقبلة حين يبدأ تنفيذ خطة الصين الخمسية الجديدة (2026-2030).
أما مجلة «الإيكونوميست» البريطانية، فقد رأت أن القمة لم تفض إلى حل جذرى للنزاعات التجارية، بل إلى «تجميد مؤقت للأسلحة الاقتصادية»، موضحة أن الطرفين اتفقا على تعليق القيود التصديرية والجمركية لمدة عام واحد، مع خفض واشنطن الرسوم على منتجات صينية متصلة بمادة الفنتانيل بنسبة 10 نقاط مئوية لتستقر عند 45% فى المتوسط، مقابل استئناف الصين شراء فول الصويا والطاقة الأمريكية.
وأشارت المجلة، إلى أن ترامب - الذى وصف اللقاء بأنه «يستحق 12 من أصل 10 نقاط» - خرج من القمة دون أن يقدم تنازلات جوهرية فى الملفات السياسية الحساسة، مثل قضية تايوان وبحر الصين الجنوبى، فى حين احتفظت بكين بقدرتها على استخدام المعادن الأرضية النادرة والرقائق والمركبات الكهربائية كورقة ضغط رئيسية.
ويرى محللون فى «جى بى مورجان لإدارة الأصول»، أن الجانبين احتفظا بـ «أدوات تفاوض مفتوحة» من خلال إبقاء العقوبات الجزئية دون إلغائها، معتبرين أن الاتفاق يهدف إلى تهدئة الأسواق مؤقتا، وليس إلى إنهاء التنافس الهيكلى المستمر بين الطرفين.
ويقول الخبير هان شين لين، مدير مكتب «ذا آسيا جروب» فى بكين، إن «الصين تلعب لعبة طويلة المدى تبنى فيها دفاعاتها الاقتصادية عبر توسيع السوق الداخلية وتعزيز سلاسل التصنيع والسيطرة على المواد الحيوية مثل الليثيوم والنيكل والمعادن الأرضية النادرة».
ويضيف، أن واشنطن ما زالت تملك عناصر تفوق لا يمكن تجاهلها مثل الابتكار التكنولوجى والسيطرة على الدولار وشبكة التحالفات الأمنية، لكن «بكين تمارس صبرا استراتيجيا وتعمل على تحييد هذه القوة ببطء عبر بناء استقلالها الصناعى والتقنى».
وتشير «الإيكونوميست»، إلى أن الاتفاق الأخير لا يعنى «نهاية الحرب التجارية»، بل هو فاصل مؤقت فى صراع طويل المدى سيعاد فتحه مع كل أزمة اقتصادية أو انتخابية فى أى من البلدين.
وتضمنت التنازلات لإنهاء الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، من جانب الولايات المتحدة تخفيض الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات الصينية من 57% إلى 47%، وتمديد تعليق بعض ما يُسمى بالرسوم الجمركية المتبادلة على الصين «لمدة عام إضافى»، وفق وزارة التجارة الصينية.
كما ستخفض الولايات المتحدة الرسوم الجمركية البالغة 20% على السلع الصينية المتعلقة بإمدادات المواد الكيميائية الأولية للأفيونيات من نوع الفنتانيل القادمة من الصين إلى النصف، وستقوم بتأجيل لمدة عام إطار العقوبات الذى كان من شأنه أن يزيد بشكل كبير عدد الشركات الصينية الخاضعة للقيود التجارية الأمريكية.
ووافقت إدارة ترامب كذلك على تعليق رسوم الموانئ الجديدة المفروضة على السفن صينية الصنع والملكية والمسجلة لمدة عام واحد.
فى المقابل، تلتزم الصين بشراء 12 مليون طن من فول الصويا هذا العام من الولايات المتحدة، وشراء 25 مليون طن كحد أدنى سنويًا خلال السنوات الثلاث المقبلة، فضلا عن كميات من الذرة الرفيعة ومنتجات زراعية أخرى.
يضاف إلى هذا، وقف لمدة عام واحد لضوابط التصدير التى كشفت عنها الصين الشهر الماضى على المعادن والمغناطيسات الأرضية النادرة، والتى تلعب أدواراً حيوية فى السيارات والطائرات والأسلحة، وأصبحت أقوى مصدر نفوذ لبكين فى حربها التجارية مع واشنطن. وكانت هذه الضوابط ستتطلب تراخيص تصدير للمنتجات التى تحتوى حتى على كميات ضئيلة من قائمة أوسع من العناصر، وكانت تهدف إلى منع استخدامها فى المنتجات العسكرية.
وقال البيت الأبيض، إن الصين ستصدر أيضاً تراخيص عامة لتصدير المعادن الأرضية النادرة والغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون والجرافيت لصالح المستخدمين النهائيين الأمريكيين ومورديهم.
وستقوم كذلك بتعليق جميع الرسوم الجمركية الانتقامية التى أعلنتها منذ 4 مارس، بما فى ذلك الرسوم المفروضة على الدجاج والقمح والذرة والقطن والذرة الرفيعة وفول الصويا ولحم الخنزير ولحم البقر والمنتجات المائية والفواكه والخضراوات ومنتجات الألبان الأمريكية.
كما ستقوم بكين بتعليق أو إلغاء جميع التدابير المضادة غير الجمركية الانتقامية المتخذة ضد الولايات المتحدة منذ 4 مارس، مثل إدراج بعض الشركات الأمريكية فى قوائم المستخدمين النهائيين والكيانات غير الموثوقة التابعة للحكومة الصينية.