تواكباً مع احتفالات سلطنة عُمان بيومها الوطني لأول مرة في التاريخ في 20 نوفمبر 2025، ذكرى تأسيس الدولة البوسعيدية على يد الإمام المؤسّس أحمد بن سعيد عام 1744م، أطلقت عُمان الاستراتيجية الوطنية للإحصاء والمعلومات (2025-2030) لتُدشّن مرحلة جديدة من التطوير المؤسسي، تُسهم في توحيد العمل الإحصائي، ورفع كفاءة إنتاج البيانات، وتوظيف التقنيات الحديثة لخدمة صُنّاع القرار ودعم مسيرة التنمية المستدامة والتي رسم ملامحها وحدد استراتيجيتها السلطان هيثم بن طارق آل سعيد والمتمثلة في رؤية عُمان المستقبلية 2040.

فمن خلال رؤية شاملة تمتد لخمس سنوات، يسعى المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى تطوير البنية الرقمية للبيانات، ورفع كفاءة عمليات جمعها وتحليلها ونشرها، وإرساء ثقافة الاعتماد على الأدلة في مختلف المؤسسات الحكومية، وذلك انسجامًا مع توجه سلطنة عُمان نحو التحول المعرفي وتعزيز الإدارة القائمة على البيانات.
تهدف الاستراتيجية إلى تطوير منظومة العمل الإحصائي والمعلوماتي في سلطنة عُمان وذلك من خلال إيجاد منظومة متكاملة ترتكز على الابتكار والتقنيات الحديثة، مما يتيح توفير بيانات دقيقة وموثوقة تدعم متخذي القرار في مختلف القطاعات. الأمر الذي يترجم التوجه الوطني نحو بناء اقتصاد المعرفة وتعزيز تنافسية سلطنة عُمان إقليميًا ودوليًا.
يُمثّل التحوّل الذي تقوده الاستراتيجية الجديدة انتقالًا من الأساليب التقليدية في جمع وتحليل البيانات إلى الاعتماد على الحلول الرقمية و الذكاء الاصطناعي وتكامل قواعد البيانات الوطنية.
ففي حين ركزت المراحل السابقة على إنتاج البيانات الدورية، تركز المرحلة الجديدة على استدامة تدفق المعلومات، وسرعة الاستجابة لاحتياجات المجتمع والمؤسسات، وتحقيق التكامل بين الجهات المصدرة للبيانات. كما تعزز الشراكات مع القطاعين العام والخاص، وتدعم تطوير الكفاءات الوطنية في مجال الإحصاء وتحليل البيانات.
ترتكز الاستراتيجية على مجموعة من المحاور الحيوية التي تشكّل الأساس لتعزيز منظومة البيانات الوطنية. ومن أبرز هذه المحاور تطوير البنية التحتية الرقمية للبيانات، ورفع كفاءتها وجودتها، إلى جانب دعم الابتكار في مجالات التحليل الإحصائي، وتوسيع نطاق الشراكات الوطنية والدولية بما يعزز التكامل وتبادل الخبرات.
تمثل هذه المحاور ترجمة عملية لأولويات "رؤية عُمان 2040"، إذ تسهم في تمكين الاقتصاد الرقمي، وتحفيز البحث العلمي، وتوفير البيانات الدقيقة لدعم صناعة القرار وصياغة السياسات العامة. كما تولي الاستراتيجية اهتمامًا خاصًا ببناء القدرات الوطنية وتوسيع نطاق البيانات المفتوحة، بما يعزز مبادئ الشفافية والمساءلة ويواكب متطلبات التنمية المستدامة.
وثمة مجموعة من الأهداف الاستراتيجية الطموحة التي يسعى المركز الوطني للإحصاء والمعلومات العُماني لتحقيقها خلال الفترة (2025-2030)، والتي تعزز مكانته كمصدر وطني موثوق للبيانات والمعلومات، منها على سبيل المثال لا الحصر: تطوير منظومة البيانات الوطنية وتكاملها، ورفع كفاءة عمليات جمع وتحليل ونشر البيانات، بما يضمن أعلى مستويات الجودة والدقة في المخرجات الإحصائية والمعلوماتية.
ولا شك أن هذه الاستراتيجية تسهم في إرساء بيئة عمل مؤسسية ترتكز على البيانات الدقيقة والحديثة كركيزة أساسية لاتخاذ القرار في المؤسسات الحكومية. فهي تعمل على تطوير منصات رقمية متقدمة تُمكّن من الوصول إلى مؤشرات حية وتحليلات معمّقة تدعم رسم السياسات العامة وتقييم الأداء المؤسسي بكفاءة وشفافية. كما تعزز الاستراتيجية ثقافة الاعتماد على البيانات في مختلف المستويات الإدارية، وتدعم استخدام التقنيات الحديثة في تحليل البيانات واستشراف الاتجاهات المستقبلية، بما يسهم في صياغة قرارات أكثر دقة وفعالية تسند مسيرة التنمية الوطنية.
والمؤكد أن تقييم الأداء في أي مخطط أو رؤية أو إستراتيجية عُمانية بات من الثوابت في رؤية عُمان 2040 والحوكمة الرشيدة لكافة قطاعات الدولة، ومن هنا تتضمن الاستراتيجية الوطنية للإحصاء والمعلومات 2025 ـ 2030، مجموعة من المؤشرات الكمية والنوعية التي تُمكّن من قياس مدى التقدم في تحقيق أهدافها خلال السنوات الخمس القادمة. ومن أبرز هذه المؤشرات: نسبة توافر البيانات المفتوحة وسرعة تحديث قواعد البيانات، إلى جانب مستوى رضا المستخدمين من الجهات الحكومية والخاصة، وعدد الدراسات والتقارير الإحصائية التي يُنجزها المركز سنويًا.
كما تشمل مؤشرات إضافية لقياس كفاءة البنية التحتية الرقمية، ومستوى التكامل بين قواعد البيانات الوطنية، ومدى التقدم في تحقيق التحول الرقمي في العمليات الإحصائية، بما يضمن استدامة التطوير وتحسين جودة البيانات لدعم متخذي القرار.
فضلاً عن أن هذه الاستراتيجية تسهم في تعزيز المعرفة لدعم اتخاذ القرار، من خلال دورها في بناء منظومة معرفية متكاملة تُتيح لصنّاع القرار الوصول إلى معلومات دقيقة وموثوقة في الوقت المناسب، بما يضمن اتخاذ قرارات أكثر فاعلية وموضوعية.
كما تُترجم هذه الرؤية وتلك الاستراتيجية عمليًا وعلى أرض الواقع من خلال تطوير أدوات تحليلية متقدمة وتقديم تقارير ودراسات دورية تدعم رسم السياسات العامة، إلى جانب إتاحة البيانات عبر منصات إلكترونية حديثة تسهّل الوصول إليها والاستفادة منها. كما تشمل هذه الجهود تنفيذ برامج تدريبية وحلقات عمل متخصصة لرفع كفاءة الموظفين الحكوميين في تحليل البيانات وتوظيفها بالشكل الأمثل في عمليات التخطيط واتخاذ القرار.
ويضطلع مكتب إدارة الاستراتيجية بدور محوري في ضمان التنفيذ الفعّال لمستهدفات الاستراتيجية ومتابعة مؤشرات الأداء على نحو منهجي ومنظم. ويتولى المكتب إعداد الخطط التنفيذية التفصيلية ومراقبة سير العمل بشكل دوري، مع رفع تقارير الأداء إلى الجهات المعنية لمتابعة التقدم المحقق. كما يعمل المكتب على تنسيق الجهود بين مختلف الشركاء الوطنيين لضمان التكامل والالتزام بالمعايير والإجراءات المعتمدة، إلى جانب قيادته لعمليات التقييم المستمر واقتراح التحسينات التطويرية اللازمة؛ ويهدف ذلك إلى تحقيق أفضل النتائج وتعزيز استدامة التطوير في المنظومة الإحصائية الوطنية بما يتوافق مع تطلعات المرحلة المقبلة.
وستشهد الفترة المقبلة، مزيداً من جهود المركز الوطني للإحصاء والمعلومات لتعزيز الشراكة مع مختلف الجهات الحكومية بهدف توحيد الجهود الإحصائية والمعلوماتية ضمن منظومة وطنية متكاملة. ولتحقيق ذلك، يعمل المركز على بناء آليات تعاون فعّالة وواضحة تُسهم في تبادل البيانات والخبرات بصورة منتظمة ومستدامة.
كما يعتزم المركز تشكيل لجان وفرق عمل مشتركة لتنسيق الجهود وتوحيد المعايير، إلى جانب تطوير برامج تعاون تُحدد بوضوح الأدوار والمسؤوليات بين الأطراف المعنية. وسيتم كذلك تنظيم حلقات عمل ولقاءات دورية لتعزيز التواصل وتكامل الرؤى، بما يضمن تحقيق الانسجام والتكامل في العمل الإحصائي على المستوى الوطني.
ستُفعّل آليات ومنصات إلكترونية حديثة لتسهيل تبادل البيانات بين المؤسسات الحكومية، وهناك جهود انطلقت فعلًا في بناء منصة أو بوابة إحصائية ذكية، ويتوقع أن تكون جاهزة في غضون عامين من الآن. وستعتمد هذه المنصات على تقنيات متقدمة تضمن أعلى مستويات أمن البيانات وسهولة الوصول إليها، بما يتيح تبادل المعلومات بصورة سلسة وفعّالة، ويُسهم في بناء قاعدة بيانات وطنية متكاملة تدعم صناعة القرار القائم على الأدلة.
إجمالاً... يمكن القول أنه وانطلاقًا من اختصاصات ومهام المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، ثمة حرص كبير على تقديم الدعم الفني للجهات الحكومية وتعزيز قدراتها في المجالات الإحصائية والمعلوماتية، بما يضمن تطوير منظومة العمل الإحصائي على المستوى الوطني. ويشمل هذا الدعم تنفيذ برامج تدريبية وحلقات عمل متخصصة، إلى جانب نقل المعرفة والتدريب على رأس العمل لتمكين الكوادر الوطنية من اكتساب المهارات الحديثة في مجالات جمع البيانات وتحليلها ونشرها باستخدام التقنيات الحديثة بما يتوافق مع المعايير الدولية.