في زمنٍ يضجّ بالماديات وتُقاس فيه القيم بعدد المتابعين وسعة الحسابات البنكية، يطلّ علينا نموذج نادر يذكّرنا أن بعض الأشياء لا تُشترى، وأن الروح حين ترتوي من نبع الإيمان لا تعود تحتاج إلى عطايا الأرض.
ومن بين هؤلاء القلائل يبرز اسم الدكتور زغلول النجار، الرجل الذي وقف عمره شاهدًا على أن أعظم استثمار في الحياة هو أن تُنفقها في خدمة كتاب الله.
ما بين المختبر والمحراب، عاش النجار رحلته الطويلة في البحث عن الحقيقة. لكنه لم يكن باحثًا عاديًا يقف عند حدود الظواهر، بل كان يرى في كل ذرة من ذرات الكون آيةً تنطق بالعظمة، وفي كل اكتشاف علمي طريقًا إلى مزيد من السجود.
كان علمه عبادة، وسعيه إلى الفهم لونًا من ألوان الشكر، وكلما انكشف له سرٌّ من أسرار الخلق ازداد يقينًا بقول الله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق).
أن تُهدي عمرك للقرآن هو أن تختار البقاء في حضرة النور. ليس في الأمر مجدٌ دنيوي ولا شهرةٌ زائلة، بل يقينٌ بأنك تمشي في طريقٍ يقود إلى الخلود. و الدكتور زغلول النجار لم يكن يبحث عن إثباتٍ بقدر ما كان يسعى إلى تذكير الإنسان بأن الكون كتاب مفتوح، وأن العقل لا يُستعمل ليجادل، بل ليُبصر.
في عالمٍ يلهث خلف المظاهر، قد يبدو من السهل أن تتنازل عن حلمٍ روحي في سبيل مكسبٍ سريع. لكن النجار اختار ما لا يُباع ولا يُشترى: اختار أن يعيش مع القرآن، وأن يجعل من كل لحظةٍ من عمره شاهدًا على صدق الوعد الإلهي. هذا القرار لا يصدر إلا عن روحٍ أدركت أن قيمة الحياة لا تُقاس بطولها، بل بعمق ما تُمنحه من معنى.
العيش مع كتاب الله يُعيد ترتيب القلب والعقل معًا. فهو ليس كتاب علومٍ فحسب، بل كتاب هدايةٍ قبل كل شيء. من يقرأه بعينٍ محبة، يرى فيه خريطة الخلاص، ومن يتأمل آياته بصدقٍ يكتشف أن الطمأنينة ليست غايةً تُنال، بل حالٌ يُوهب لمن صدق السعي.
لقد راهن الدكتور زغلول النجار على الجواد الرابح، لأن من يعيش مع القرآن لا يخسر أبدًا. يكفيه أن يكون في معية كلام الله، يستمدّ من نوره طمأنينةً لا تُشترى، وثباتًا لا تمنحه قاعات المؤتمرات ولا منصات الإعلام. إن ما يتركه هذا الرجل في قلوب الناس من أثرٍ صادق هو أعظم إنجازٍ يمكن أن يُخلّده إنسان: أن يدعو الناس إلى الله بعلمٍ وبصيرةٍ وإخلاصٍ نادر.
وهكذا، حين نرى في وجهه سكينة العالم المؤمن، ندرك أن هناك حقائق لا تُقاس ولا تُباع: راحة الضمير، ونور القلب، وحلاوة الإيمان... هي أشياء لا تُشترى.