عمر خيرت.. موسيقار الأجيال الذي جعل النغم يحكي حكايتنا

عمر خيرت.. موسيقار الأجيال الذي جعل النغم يحكي حكايتناعمر خيرت

فنون11-11-2025 | 10:03

في مثل هذا اليوم، 11 نوفمبر، وُلد الموسيقار الكبير عمر خيرت، أحد أعمدة الموسيقى المصرية والعربية، ورمز الإبداع الذي مزج بين الحداثة والأصالة، فحوّل المشهد الموسيقي العربي إلى لوحة ناطقة بالعاطفة والهوية والجمال.

*البدايات والنشأة

وُلد عمر علي محمود خيرت عام 1948 في حي السيدة زينب بالقاهرة، في أسرة كان الفن والموسيقى جزءاً من تكوينها.

جده محمود خيرت كان محامياً وشاعراً ورسّاماً وموسيقياً، أما عمه أبو بكر خيرت فهو مؤسس معهد الكونسرفتوار المصري وأول عميد له، مما جعل البيئة التي نشأ فيها عمر خيرت غنية بالمواهب والثقافة والذوق الفني الرفيع.

بدأ رحلته مع الموسيقى منذ الصغر، حيث التحق بالكونسرفتوار ليتلقى دراسة متخصصة في العزف على آلة البيانو على يد أساتذة أجانب، قبل أن يسافر لاستكمال دراسته في كلية ترينيتي للموسيقى في لندن، حيث تعمّق في دراسة التأليف الموسيقي والنظريات الحديثة.

*بداية مختلفة
رغم طابعه الكلاسيكي، كانت بداياته مختلفة تماماً، إذ انضم في الستينيات إلى فرقة Les Petits Chats كعازف درامز، وهي فرقة كانت تمثل روح الشباب والانفتاح الموسيقي في ذلك الزمن.
لكن شغفه الحقيقي بالبيانو والتأليف سرعان ما أعاده إلى مجاله الطبيعي، ليبدأ مشواره كأحد أبرز العازفين والمؤلفين الموسيقيين في العالم العربي.

*نقطة التحول: الموسيقى التصويرية

دخل عمر خيرت عالم الموسيقى التصويرية في أوائل الثمانينيات، وكان فيلم "ليلة القبض على فاطمة" عام 1983 نقطة التحول الكبرى التي قدّمت اسمه بقوة إلى الجمهور، حيث لامس بلحنه وجدان المشاهدين، وأثبت أن الموسيقى يمكن أن تروي القصة دون كلمة واحدة.

بعدها توالت أعماله التي أصبحت جزءاً من ذاكرة المصريين، مثل:

ضمير أبلة حكمت

اللقاء الثاني

غوايش

الخواجة عبد القادر

البخيل وأنا

مافيا

خلي بالك من عقلك

صابر يا عم صابر

قضية عم أحمد

كل عمل من هذه الأعمال كان يحمل بصمة مختلفة، وسمة مميزة أصبحت تُعرف باسم "اللون الخيرتي" — موسيقى تشعّ بالعاطفة، وتعتمد على تناغم صارخ بين الأوركسترا الغربي والروح الشرقية الأصيلة.

*موسيقى تتحدث بلغة العاطفة

ما يميز عمر خيرت هو قدرته على تحويل المشهد إلى شعور.

حين يعزف، لا تسمع مجرد نغمات؛ بل تعيش حالة وجدانية كاملة، فيها شجن وحنين وانتصار وهزيمة وفرح ممزوج بالدمعة.

وفي زمن طغت فيه الأغاني السريعة، ظل خيرت وفياً للموسيقى التي لا تتكلم بل "تُحس".

أسلوبه يجمع بين البناء الكلاسيكي الأوروبي وروح الشرق العاطفية، فهو يكتب مقطوعاته بروح سيمفونية، لكن بأحاسيس مصرية خالصة.

ولذلك صار رمزاً للهوية الموسيقية العربية المعاصرة، وجسرًا بين ثقافات الشرق والغرب.

*حفلات عالمية واعتراف دولي

قدّم عمر خيرت حفلات موسيقية في أهم المسارح العربية والعالمية، من دار الأوبرا المصرية إلى مهرجانات الإمارات والسعودية وباريس، وسط إقبال جماهيري غير مسبوق على نوع من الموسيقى غالبًا ما يُعتبر نخبوياً.

لكنه نجح في جعلها موسيقى شعبية راقية، تصل إلى العامة والنخبة على حد سواء.

وفي عام 2023، تم تكريمه بلقب "شخصية العام الثقافية" من جائزة الشيخ زايد للكتاب، تقديراً لمسيرته الفنية الطويلة التي تجاوزت أربعة عقود من الإبداع.

*رؤية ورسالة

يؤمن خيرت أن الموسيقى ليست ترفاً، بل هي وسيلة لبناء الوجدان والوعي.

وفي أحد حواراته، قال: "أنا أبحث دائماً عن الجمال، وأحاول أن أقدّمه للناس. فالموسيقى في رأيي دواء للروح، ونافذة للأمل."

كما يرى أن الموسيقى العربية قادرة على أن تكون عالمية دون أن تفقد هويتها، وهو ما يجعله يسعى دائماً إلى تقديم "موسيقى عربية بلغة عالمية".

*إنسان قبل أن يكون موسيقاراً

بعيداً عن الأضواء، يشتهر عمر خيرت بتواضعه وهدوئه ووفائه لأصدقائه وزملائه، وبأنه لا يسعى إلى الأضواء بقدر ما يسعى إلى الإتقان.

يعيش للفن، ويؤمن أن النجاح الحقيقي هو أن تترك أثراً في النفوس لا يُمحى.

*في عيد ميلاده..

يحتفل عشاق الموسيقى اليوم بعيد ميلاد موسيقار الأجيال، الذي جعلنا نسمع مصر في نغمة، ونرى أحلامنا في لحن.

ثمانون عاماً من العمر، وأكثر من نصف قرن من الإبداع، وما زال عمر خيرت يعتلي خشبة المسرح بابتسامة طفل ووقار معلم، ليؤكد أن الفن الجميل لا يشيخ، بل يزداد شباباً كلما لامس القلوب.

أضف تعليق