لواء دكتور سمير فرج يكتب: الطريق إلى كلية الأركان حرب

لواء دكتور سمير فرج يكتب: الطريق إلى كلية الأركان حربلواء دكتور سمير فرج يكتب: الطريق إلى كلية الأركان حرب

*سلايد رئيسى13-2-2019 | 21:37

طريق الألف ميل يبدأ بخطوة ... هذا ما تعلمناه منذ الصغر، إلا أن تلك الخطوة الأولى، لابد وأن يسبقها تحديد الهدف، وهو ما كان منهجي، وعقيدتي، منذ تخرجي من الكلية الحربية، وأنا في السابعة عشر من عمري.
منذ اليوم الأول، في الكتيبة، رأيت النقيب موريس عزيز غالي، يغلق على نفسه باب مكتبه، في مساء كل يوم، لساعات طويلة، وعلمت أنه يذاكر استعداداً للالتحاق بكلية الأركان حرب. وبسؤال قادتي عن أهمية ودور هذه الكلية، وأسباب سعي الضباط للالتحاق بها، أدركت أن دراسات الأركان حرب، بمثابة شعار الجودة الذي يميز الضباط الأكفاء، عن غيرهم، وأولى خطواتهم لسلم الترقي، بجانب حسن أداء العمل، بالطبع، وهي فرصة لا تتاح إلا لمن يجتاز مسابقة، واختبارات، الالتحاق بكلية الأركان حرب، التي يتقدم لها مئات الضباط كل عام ... ومنذ ذلك اليوم، وضعت هذا الهدف نُصب عيناي، وبدأت الخطوة الأولى، في طريق تحقيقه، بجمع المواد العلمية، الواجب عليّ استذكارها، لاجتياز الاختبارات، في يوم من الأيام.
وبالرغم من سفري إلى اليمن، للمشاركة في الحرب بها، لمدة ثلاث أعوام متواصلة، كانت من أصعب وأحلك الفترات، إذ ظننا أننا فقدنا كل ما تعلمناه من العلوم العسكرية، نظراً لاختلاف شكل وطبيعة الحرب هناك، رغم كل ذلك، حملت معي صندوق، به مذكرات الدراسة لاختبار قبول كلية الأركان حرب.
وعُدنا من اليمن، للمشاركة في حرب ٦٧، وأثناء الانسحاب، وتحديداً في ممر "متلا"، هاجمنا طيران العدو الإسرائيلي، ففقدت أولى خطواتي في الطريق إلى كلية الأركان حرب، إذ تدمرت مركبتي العسكرية، ومعها صندوق الكتب والمذكرات ... ومع ذلك لم أحيد عن الهدف.
عادت قواتنا إلى ضفاف قناة السويس، لتجهيز الدفاعات، وحفر الخنادق، فالتقيت بقائدي، العقيد أركان حرب محمود عمران، رحمة الله عليه، ولازمته، بصفتي ضابط استطلاع الكتيبة، المرافق دائماً للقائد، وكان رجل عظيماً، وضابطاً متميزاً، لم يبخل عليّ، وعلى غيري، بعلمه الغزير، القيم، فزادني هذا الرجل العظيم إصراراً على الالتحاق بهذه الكلية، بل وأمدني بمذكرات امتحانات القبول بها ... فتجدد الحلم، واستعدت بوصلتي، للوصول لهدفي.
لم يخل الطريق من العقبات، إذ صدر قرار بتعديل شروط التقدم للقبول بكلية الأركان حرب، بضرورة أن يكون المتقدم حاصل على دورة قادة كتائب، فابتعد الحلم مرة أخرى؛ فلقد كنت، حينها، برتبة النقيب، وعليّ أن أنتظر نحو ست سنوات قبل الوصول للرتبة، التي تؤهلني للحصول على دورة قادة كتائب ... ولم يثنيني ذلك عن الهدف.
وفجأة تقرر نزولنا إلى القاهرة، بمعسكرات دهشور، لنتسلح بالمركبات الجنزير الميكانيكية، ونصبح مشاه ميكانيكية. وهناك، في دهشور، كنا في غاية الحماس لاستخدام تلك المجنزرات الجديدة، كانت تدريباتنا تسير على أكمل وجه، وبفضل الله، تفوقت في التدريب، وأنا قائد سرية، إلا أن الطائرات الإسرائيلية هاجمتنا، وأحدثت خسائر في قوات الفرقة، بقيادة العميد أركان حرب خيري حسين. وفي اليوم التالي للغارة الإسرائيلية، حضر إلينا وزير الحربية، آنذاك، الفريق أول محمد صادق، لرفع الروح المعنوية للضباط، والجنود، والتخفيف من وقع آثار الغارة الأليم، بعدما وصل طيران العدو لمشارف القاهرة.
وفي نهاية اللقاء، الذي جمع نحو عشرون ألف جندي، وآلاف الضباط، طلب وزير الحربية من قائد الفرقة تسمية أفضل قائد لواء، ونادى عليه، فسأله وزير الحربية عن منصب يرغب في التعيين فيه، كمكافأة له، وهو أحد أساليب رفع الروح المعنوية المتعارف عليها، فأجابه قائد اللواء برغبته في العمل كملحق عسكري لمصر بالخارج، فاستجاب وزير الحربية لرغبته، وطلب منه التواجد، صباحاً، في مقر إدارة سلاحه، لإنهاء إجراءات تسليم اللواء، والبدء في إجراءات استلام المنصب الجديد. ثم أعاد وزير الحربية طلبه بتسمية أكفأ قائد كتيبة، من بين 15 كتيبة، ونادى عليه مكرراً سؤاله عن أمنيته في منصب جديد، فأجابه المقدم برغبته في الالتحاق بالمخابرات الحربية، فكان له ما تمنى.
ثم جاء الدور على قادة السرايا، وعددهم حوالي خمسين، فنادى قائد الفرقة على النقيب سمير فرج، وسألني وزير الحربية عن رغبتي، فتذكرت حلمي، الذي لم يفارقني يوماً، وأجبت، على الفور، "يا فندم عايز أنزل فرقة قادة كتائب" ... فأطبق الذهول على الجميع، إذ توقعوا أن أطلب مكاناً مميزاً، حتى أن وزير الحربية رد على طلبي قائلاً، "يا ابني ما أنت هتنزل في دورك ... أطلب حاجة تانية"؛ فأوضحت لسيادته رغبتي في الالتحاق بكلية الأركان حرب، اليوم، بدلاً من الانتظار لستة سنوات أخرى! فصدّق وزير الحربية على طلبي.
التحقت بفرقة قادة الكتائب، فكنت أصغر الضباط سناً، وأحدثهم رتبة، برتبة النقيب، واختتمتها بتفوق، وبترتيب الأول، حتى أنه تقرر تعييني مدرساً في معهد المشاة. وبعدها بعدة أشهر صدرت تعليمات اختبار القبول لكلية الأركان حرب، ولكن هذه المرة، بدون شرط الحصول على فرقة قادة كتائب، حيث عدّلها وزير الحربية، بعد لقاءه بنا، في دهشور، إذ رأى فتح اختبارات القبول لجميع الضباط، ليقينه بأن اجتيازها يعتمد على التميز فقط.
حان موعد الاختبار، وكان عدد المتقدمين ١٦٠٠ ضابطاً، معظمهم من رتبة العقيد والمقدم والرائد، وقلة صغيرة، وأنا منهم، برتبة النقيب، وكان الاختبار، في ذلك العام، من أشهر الاختبارات في تاريخ القوات المسلحة، حيث سُمح فيه، لأول مرة، بدخول الكتب، وهو ما يعرف، اليوم، بنظام اختبارات "الكتاب المفتوح" (Open Book)، لأنه يعتمد على الفكر والفهم. وبتوفيق من الله سبحانه وتعالى، اجتزت الاختبار بنجاح، بترتيب الأول على كل هذه الأعداد المتقدمة، وبعد عام ونصف العام من الدراسة والامتحانات، كلل الله جهدي بالنجاح، والتفوق، إذ كان مركزي الأول على زملائي بالدفعة.
وهكذا وصلت إلى نهاية أول طريق، من طرق رحلة الألف ميل، بالتركيز وبالإصرار وبالعزيمة، وقبلهم بتوفيق الله، الذي كانت يده فوق يدي خلال مسيرتي بالقوات المسلحة المصرية.
Email: [email protected]
أضف تعليق

الأكاديمية العسكرية ومنظومة بناء الإنسان

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان