قصة محمد فوزي والمصحف المرتل.. حين وضع فنان قلبه في خدمة القرآن

قصة محمد فوزي والمصحف المرتل.. حين وضع فنان قلبه في خدمة القرآنمحمد فوزي.. فنان وضع قلبه في خدمة القرآن

فنون17-11-2025 | 21:49

لم يكن محمد فوزي مجرد مطربٍ يملك صوتًا ناعمًا، أو ملحنًا يصنع البهجة بإحساسه الخفيف، بل كان رجلًا يرى الفن رسالة قبل أن يكون مهنة، رسالة تتخطى حدود الألحان والأفلام، وتمتد إلى ما يخلد اسمه في ذاكرة الناس بعيدًا عن الأضواء، ولهذا، بقيت حكايته مع تسجيل المصحف المرتل واحدة من أقل القصص تداولًا، رغم أنها من أكثرها تأثيرًا في تاريخ الصوت العربي.

مشروع دولة يبحث عن ضمير

في أوائل الستينيات، كانت مصر تدخل مرحلة ثقافية جديدة، تتطلع فيها إلى تقديم المصحف الشريف للعالم الإسلامي بجودة تليق بكتاب الله، مشروع ضخم يحتاج إلى استوديو حديث، وإلى رجل يضع مصلحة الفن والدين قبل الربح.

هنا ظهر اسم محمد فوزي… ليس الفنان هذه المرة، بل صاحب واحد من أكثر مصانع الأسطوانات تطورًا في الشرق الأوسط، كان مصنعه قادرًا على تسجيل وتوزيع المصحف بجودة غير مسبوقة.

وزارة الأوقاف لجأت إليه، لكنها لم تكن تتوقع أن تفتح أمامها أبوابًا أكبر بكثير من مجرد تعاونٍ تقني.

الحصري… البداية التي غيرت كل شيء

استقبل محمد فوزي الشيخ محمود خليل الحصري داخل استوديوهاته كما يستقبل فنان كبيرًا يعرف قيمته قبل شهرته، لم يكن الأمر تسجيلًا عاديًا، بل ميلادًا جديدًا لصوتٍ مقدس.

وفي استوديوهات فوزي سجل الحصري أول مصحف مرتل كامل، وتم إذاعته لأول مرة يوم 23 يوليو 1960، ذلك التسجيل الذي انتشر في العالم العربي والإسلامي، وفتح بابًا جديدًا للناس كي يسمعوا القرآن بصوتٍ نقيّ لا تشوبه شوائب الزمن.

ممر القراء العظام
لم يتوقف الأمر عند الحصري، مصنع محمد فوزي تحول إلى “بيت التلاوة”، المكان الذي مر منه كبار القراء:

الشيخ محمود علي البنا

الشيخ محمد صديق المنشاوي

وغيرهم من الأصوات التي أصبحت جزءًا من ذاكرة العالم الإسلامي

كلهم مروا من المكان نفسه، وتجلت أصواتهم بنفس النقاء والهيبة، وبقيت تسجيلاتهم تذاع حتى اليوم، من الإذاعات إلى التسجيلات الرقمية، دون أن تفقد روحها.

الرجل الذي رفض الربح

ربما هي النقطة التي تلخص روح محمد فوزي كلها…

فعندما حاولت الوزارة دفع مقابل يوازي قيمة المشروع الضخم، رفض فوزي، لم يشأ أن يدخل القرآن إلى مصنعه كصفقة، بل كأمانة.

طلب فقط تكلفة التصنيع… ورفض أي ربح إضافي.

الرجل قدم استوديوهاته وتقنياته وخبرته، ووضعها بين يدي مشروع يخدم كتاب الله دون أن ينتظر مقابلًا.

هذه الروح لم تكن غريبة على فوزي الذي ظل طوال حياته يؤمن بأن الفن فعل أخلاقي قبل أن يكون صوتًا جميلًا.

إرثٌ يمر عبر الأجيال

ربما لم يكتب التاريخ هذه الحكاية في الصفحات الأولى، لكن أثرها ظل حاضرًا في كل بيت يسمع القرآن من تسجيلات الستينيات.
وبقي صوت الحصري والمنشاوي والبنا حيًّا لأن رجلًا آمن بأن الفن أشرف من أن يُقاس بالأرقام.

لقد قدّم محمد فوزي للعالم الإسلامي تراثًا صوتيًا كاملًا، وأسهم في أن تصبح تلاوات القرآن محفوظة إلى الأبد، بجودة تجاري ما يسجل اليوم رغم مرور عقود طويلة.

حين يعمل القلب لا الميكروفون
قصة محمد فوزي مع المصحف المرتّل ليست قصة فنانٍ فقط، بل قصة إنسانٍ اختار أن يكون جزءًا من شيء أعظم.

إنها حكاية تذكرنا بأن الفن يمكن أن يكون خدمة، وأن الصوت قد يظل خالدًا إذا خرج من قلب صادق.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان