في الحادي والعشرين من نوفمبر، تمر ذكرى رحيل الفنانة المصرية الكبيرة سهير البابلي؛ تلك السيدة التي لا تزال ظلال حضورها الفني تضج بالحياة، رغم أنها غادرت الدنيا عن عمر ناهز ٨٤، بعد مسيرة وضعت فيها الفن في كف، والصدق في كفّ أخرى، فخرجت بصمتها مختلفة، محبوبة، وعميقة.
لقد كان رحيلها في عام 2021 لحظة حزن حقيقي، ليس في مصر وحدها، بل في العالم العربي كله. فمن يعرف تاريخ المسرح والسينما والتلفزيون يدرك أن سهير البابلي ليست مجرد ممثلة بارزة، بل مدرسة كاملة في الأداء، وحكاية امرأة صنعت لنفسها مكانة لا ينازعها فيها أحد.

*نشأة عادية… وصعود استثنائي
وُلدت الفنانة سهير حلمي إبراهيم البابلي في 24 فبراير 1939 بمدينة فارسكور بمحافظة دمياط.
نشأت داخل أسرة بسيطة؛ والدها معلم يحترم النظام والانضباط، ووالدتها ربة منزل صارمة ذات التزام كبير. وبين هذا التوازن بين الصرامة والحنان تكوّنت شخصية فتاة عاشقة للفن، تقلّد النجوم وتفتّح موهبتها مبكرًا.
بعد حصولها على الثانوية العامة، التحقت بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وهناك تشكلت ملامح أول خطوة في طريق الشهرة. تعلّمت على يد قامات كبيرة مثل حمدي غيث وعبدالرحيم الزرقاني.
لم يكن الطريق سهلًا، فوالدتها رفضت فكرة التمثيل، بينما والدها آمن بموهبتها، فساندها بقوة.
وعانت في بداياتها من ضغوط مادية قاسية، قبل أن يصادفها القدر بلقاء المخرج المسرحي فتوح نشاطي، الذي فتح لها أبواب المسرح القومي، وهناك وقفت إلى جانب أسماء كبيرة مثل سناء جميل وأمينة رزق، لتبدأ مرحلة التكوين الفني الحقيقي.

*من المسرح إلى السينما… إلى أن أصبحت نجمة كل الفنون
كانت الانطلاقة السينمائية الأولى عام 1957 عبر فيلم "إغراء"، ثم قدمها القدَر مرة أخرى إلى الجمهور العريض من خلال دور صغير في فيلم "يوم من عمري" عام 1961.
ورغم بساطة المشاركة، إلا أنها صارت وجهًا مألوفًا ومحببًا، لأن الفيلم نفسه كان حدثًا كبيرًا ضمّ عبدالحليم حافظ وزبيدة ثروت.
من هنا، تتابعت أعمالها السينمائية حتى وصل رصيدها إلى نحو 50 فيلمًا، من أشهرها:
القلب وما يعشق، دقة زار، حدوتة مصرية، رسالة إلى الله، ليلة عسل، جناب السفير، الشجعان الثلاثة، أنا ومراتي والجو، أميرة حبي أنا، نهر الحب، الحلوة عزيزة، الأونطجية، ليلة القبض على بكيزة وزغلول، الجنية المصري… وغيرها من الأعمال التي رسمت جزءًا من ذاكرة الجمهور.
أما التلفزيون، فقد كان له نصيب كبير من حضورها، إذ شاركت في 17 مسلسلًا، من بينها:
بكيزة وزغلول، يا أنا يا هن، قلب حبيبة، الحقيقة ذلك المجهول، الشاهد الوحيد، الأيدي الناعمة، لمن نحيا، قانون سوسكا…
وفي المسرح، وهو ملعبها الأصيل، وقفت على الخشبة بثقة وقوة لا تُقارن، وقدمت 12 عملًا مسرحيًا بينها:
ريا وسكينة، عطية الإرهابية، مدرسة المشاغبين، ع الرصيف، العالمة باشا، الدخول بالملابس الرسمية، القضية…
كانت تؤمن أن الضحك ليس هدفًا في ذاته، بل وسيلة لطرح قضايا المجتمع، وهو ما ظهر واضحًا في كل أعمالها المسرحية.

*قلوب كثيرة… وزيجات متعددة
تزوجت سهير البابلي خمس مرات.
كان أول أزواجها محمود الناقوري، والد ابنتها الوحيدة نيفين.
ومع أول اختبار بين الأمومة والفن، انتصرت للفن، فانفصل الزوجان.
ثم تزوجت الفنان منير مراد، الذي أحبها بشدة، وأشهر إسلامه من أجلها.
وبعد سنوات من الغيرة والخلافات والمغامرات العاطفية التي لم تستطع احتمالها، انتهى الزواج رغم محاولات ليلى مراد الإصلاح بينهما.
ثم ارتبطت بثلاثة رجال آخرين:
أشرف السرجاني تاجر المجوهرات، ثم رجل الأعمال محمود غنيم، وأخيرًا الفنان أحمد خليل الذي انفصلت عنه بسبب توتر العلاقة نتيجة شهرتها الواسعة وقتها.
ورغم كل هذه الزيجات، بقيت نيفين ابنتها الوحيدة، ونسختها الأقرب شبهًا وطبعًا.

*عودة قوية… ومحاولات لم تكتمل
في عام 2010 عادت للدراما بمسلسل "قلب حبيبة" للمخرج خيري بشارة، وحققت من خلاله استقبالًا جماهيريًا دافئًا.
وبعدها تحمست لمشروع "قانون سوسكا" عام 2015، والذي صوّرت 70% منه، لكن مشاكل الإنتاج حالت دون عرضه، رغم قصة المسلسل الإنسانية الدافئة.

*المرض… والرحيل
في عام 2013، خضعت لعملية زراعة كبد، وتحسنت بعدها، لكن الأدوية الكثيرة أثرت في صحتها مع مرور الوقت.
وفي نوفمبر 2021 تدهورت حالتها فجأة؛ إذ دخلت غيبوبة بسبب مياه على الرئة وضعف في عضلة القلب، وظلت في العناية المركزة حتى جاء يوم 21 نوفمبر 2021، لتغادر سهير البابلي الحياة بهدوء، تاركة خلفها إرثًا فنيًا نادرًا وروحًا أحبها الجميع.

*إرث لا يُنسى
رغم مرور السنوات، تبقى سهير البابلي واحدة من أهم أيقونات الفن المصري والعربي.
قدمت البهجة، وصنعت الضحك، ووضعت بصمتها الخاصة في كل مشهد، وكل أغنية، وكل ضحكة خرجت من الجمهور.

في ذكرى رحيلها…
لا نرثيها بقدر ما نحتفل بها.
نحتفل بامرأة صنعت الضحك بذكاء، وقدمت الكوميديا برقي، وحملت على كتفيها تاريخًا كاملًا من الفن الجميل الذي لا يُنسى.

رحم الله سهير البابلي… صاحبة القلب الهادئ، والروح الضاحكة، والعطاء الذي لا يغيب.