تحل اليوم ذكرى وفاة الفنانة ليلى مراد، إحدى أهم نجمات الزمن الجميل، وصاحبة الصوت الذي حمل ملامح الطيبين وصدق المشاعر في كل نغمة. رحلت في ٢١ من نوفمبر عام ١٩٩٥ عن عمر ناهز ٧٧ عامًا، لكنها تركت خلفها تاريخًا فنيًا لا يغيب عنه البهاء.

*بدايات من الإسكندرية… وبيت يفيض بالموسيقى
وُلدت ليلى مراد في ١٧ من فبراير عام ١٩١٨ في مدينة الإسكندرية، لأسرة يهودية الجذور.
كان والدها المغني والملحن المعروف زكي مراد – واسمه الحقيقي إبراهيم زكي موردخاي – واحدًا من الأصوات التي ملأت المسارح المصرية في بدايات القرن العشرين، وقد اشتهر بتقديم «أوبريت العشرة الطيبة» الذي لحنه الموسيقار الكبير سيد درويش.
أما والدتها جميلة سالومون فكانت يهودية مغربية من أصل بولندي، وورثت ليلى عنها الملامح الأوروبية الهادئة التي ميزت حضورها على الشاشة فيما بعد.
ومنذ نعومة أظافرها، كانت الموسيقى جزءًا أصيلًا من عالمها.
وعندما بلغت الرابعة عشرة من عمرها، أدرك والدها أن ابنته تمتلك صوتًا فريدًا، فأخذ بيدها وعلّمها الأسس الأولى للغناء، وساعده في ذلك الملحن الكبير داود حسني الذي كان من أوائل من آمنوا بموهبتها.

*من الحفلات الخاصة إلى موجات الإذاعة
بدأت ليلى مراد الغناء في الحفلات الخاصة، ثم انتقلت تدريجيًا إلى الحفلات العامة التي كانت تكتظ بالجمهور، قبل أن تصل إلى محطة فارقة في حياتها: دار الإذاعة المصرية.
عند افتتاح الإذاعة، جرى التعاقد معها لتقدم حفلًا أسبوعيًا. وفي السادس من يوليو عام ألف وتسعمائة وأربعة وثلاثين، صدح صوت ليلى لأول مرة عبر الأثير، وأدرك المستمعون في تلك اللحظة أن صوتًا جديدًا يولد ليبقى طويلًا.
على مدار سنوات، قدمت ليلى حوالي 1200 أغنية، ورسخت نفسها كأحد أعذب الأصوات العربية، بصوت يجمع بين النقاء والدفء والقدرة على لمس القلوب بأبسط الألحان.
*اكتشاف السينما… وولادة نجمة
لم تلبث السينما أن انتبهت لهذا الصوت.
ففي عام ألف وتسعمائة وخمسة وثلاثين، شاركت ليلى بصوتها فقط في فيلم الضحايا، بعدما أعجبت بها المنتجة وبطلة الفيلم بهيجة حافظ. ومع الوقت، تحوّل ذلك الصوت إلى وجه مألوف على الشاشة.
لكن الانطلاقة الحقيقية جاءت عندما استمع إليها الموسيقار محمد عبدالوهاب.
فقد رأى فيها حضورًا مختلفًا، وقرر أن تشاركه بطولة فيلمه الشهير يحيا الحب عام ألف وتسعمائة وسبعة وثلاثين. حقق الفيلم نجاحًا كبيرًا، وفتحت أبواب السينما على اتساعها أمام ليلى.
ومنذ تلك اللحظة، أصبح المنتجون يتسابقون للتعاقد معها، وصارت ليلى مراد واحدة من أيقونات السينما الغنائية، وقدمت خلال مشوارها 27 فيلمًا يمثل كل منها محطة مهمة في تطور السينما المصرية.
كما كانت ليلى واحدة من النجمات القلائل اللواتي حملت أفلامهن أسمانهن، على غرار ما حدث مع إسماعيل ياسين في تلك الفترة.
إلى جوار أنور وجدي… حبّ، فنّ، ونجاح
ارتبط اسم ليلى مراد كثيرًا بالفنان والمخرج أنور وجدي الذي لعبت معه أول بطولة حقيقية في فيلم ليلى بنت الفقراء. كان الانسجام بينهما على الشاشة سببًا في إعجاب الجمهور، ثم تحول الإعجاب إلى قصة حب انتهت بالزواج عام ألف وتسعمائة وستة وأربعين.
استمر زواجهما سبع سنوات، قدما خلالها ثمانية أفلام، ثلاثة قبل الزواج، وأربعة بعده، وحقق هذا الثنائي شهرة واسعة باعتبارهما من أقوى الثنائيات السينمائية في الأربعينيات والخمسينيات.
لكن، وبعد سنوات من العمل والضغوط، انتهت العلاقة عام ألف وتسعمائة وثلاثة وخمسين.

*زيجات جديدة… وأمومة طال انتظارها
بعد انفصالها عن أنور وجدي، تزوجت ليلى من وجيه أباظة وأنجبت منه ابنها الأول أشرف. ثم ارتبطت بالمخرج الكبير فطين عبدالوهاب وأنجبت منه ابنها الثاني زكي.
ورغم محاولات كثيرة لإعادتها إلى الساحة الفنية، فإن ليلى اتخذت قرار الاعتزال عن قناعة كاملة، وفضّلت أن تبتعد بهدوء تاركة وراءها إرثًا فنيًا مكتملًا لا يحتاج إلى إضافة.
*تحولات إنسانية وروحية
كانت ليلى مراد قد أشهرت إسلامها في فترة مبكرة، وأعلنت ذلك بوضوح، قبل أن تعيش حياة هادئة بعيدة عن الصراعات. ظل الجمهور يحيطها بمحبة كبيرة، ورغم مرور السنوات على اعتزالها، لم تغب أبدًا عن الذاكرة.
*الرحيل… وبقاء الأسطورة
في الحادي والعشرين من نوفمبر عام ألف وتسعمائة وخمسة وتسعين، غيّب الموت صوت ليلى مراد، لكن أغانيها بقيت، وصوتها ظل حاضرًا، كأنه يطل من زمن أنيق لم يعد موجودًا.
وفي عام ألف وتسعمائة وثمانية وتسعين، كُرّمت في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وتسلّمت الفنانة ليلى علوي شهادة التقدير نيابة عنها.
كما تناول مسلسل أنا قلبي دليلي عام ألفين وتسعة قصة حياتها، مؤكدًا أن سيرة ليلى مراد لا تزال مصدر إلهام حتى اليوم.
*إرث لا يصدأ
تبقى ليلى مراد إحدى العلامات النادرة التي جمعت بين الصوت الرخيم، والموهبة الصادقة، والحضور السينمائي البديع. ومع كل ذكرى لرحيلها، يعود الجمهور إلى أغانيها القديمة، كأن الزمن يعود معها… ويعود معها جمال لم يغب يومًا.