لم تكن عمارة «الإيموبيليا» في يوم من الأيام مجرد مبنى شاهق يطل على قلب القاهرة، بل كانت منصة أسطورية وقف عليها جيل كامل من النجوم الذين صنعوا مجد السينما المصرية. وبقدر ما حملت جدرانها من ضحكات وحكايات، حملت في طياتها أسرارًا وشبهات، بعضها بقي حبيس الذاكرة، وبعضها تحوّل إلى روايات لا تزال تُروى حتى اليوم.
واليوم، يعود السؤال من جديد:
هل اختفت لافتة المشاهير بفعل الإهمال… أم بسبب أشباح ليلى مراد كما يزعم البعض؟

*مدخل الإيموبيليا… حين يعبر الزائر بوابة الزمن
بمجرد أن تطأ قدماك عتبتها العتيقة، تشعر بأن الزمن يتباطأ، وأن الأرواح التي عاشت هنا لا تزال تتنفس خلف الجدران. تصميمها الأوروبي الطابع يجعلك تقف في صمت، وكأنك أمام متحف مفتوح لا أمام مبنى سكني.
لكنّ صدمة كبرى كانت بانتظار من يبحث عن لافتة النجوم:
اللافتة اختفت.
كأن يدًا خفية رفعتها، أو كأنها ملّت من سرد أسماء الراحلين، فقررت الرحيل معهم.

*أشباح في الممر… وشهادة المخرج خالد الحجر
الدهشة تتضاعف حين نصل إلى شهادة المخرج خالد الحجر، الذي أكد علنًا أنه يرى أشباحًا تتحرك في شقته بالإيموبيليا.
وقال إن ظهورها يبدأ من وقت الغروب حتى ما بعد الفجر، وأنها تتحرك في الممرات، وفي الحمّام، وحتى غرفة نومه.
والأدهى من ذلك أنه يشير إلى أن هذه الشقة تحديدًا كانت تسكنها الفنانة الراحلة ليلى مراد.
لم يغيّر من أثاثها سوى القليل، لكنه احتفظ بغرفة نومها كما هي، وكأن الروح بقيت معلّقة في فضاء المكان.
ويروي الحجر قصة لا تُنسى:
حين استقل الأسانسير لينزل لشراء سجائر، أخذ المصعد يصعد ويهبط بين الدورين الرابع والخامس ست مرات متتالية. وحين قال بصوت مسموع:
«بعد إذنكم… أريد أن أنزل فقط»
تحرّك المصعد فجأة… وانطلق إلى الأسفل.

*جريمة الطابق الخامس… أصل اللعنة؟
ورغم الأساطير، تبقى الحقيقة أن مبنى الإيموبيليا احتضن واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ القاهرة.
ففي الطابق الخامس، داخل الشقة رقم 58، عُثر على جثتي سمسار ستيني وخادمة في الثامنة والثلاثين من عمرها، قتلا خنقًا على سرير غرفة النوم.
التحريات أثبتت أن مستأجرًا استدرج ضحيتيه، ثم قتل السمسار بعد خلاف على المال، وخنق الخادمة حين صرخت.
هرب القاتل، لكن الشرطة تعقبته بسهولة بعد أن ترك بطاقته الشخصية داخل سيارة مستأجرة في جراج العمارة.
منذ تلك اللحظة، بدأ السكان يتحدثون عن أصوات ليلٍ غامضة… وعن ظلال تعبر الممرات.

*شقة ليلى مراد… حين يرقص الفن مع الأشباح
على الرغم من أن ليلى مراد عاشت في الإيموبيليا ست سنوات فقط أثناء زواجها من أنور وجدي، إلا أن حضورها الروحي ظلّ الأقوى.
الناس يروون أن المكان تغير بعد رحيلها، وأنه بات أشبه بـ"خشبة مسرح صامت" تتردد عليها أصداء أغانيها حتى بعد وفاتها عام 1995.
بعض الروايات تشير إلى أن ليلى كانت تقضي لياليها الأخيرة في مرآة غرفتها، تتدرب على مشاهد لم تُصوَّر، وكأنها تخشى أن تُغادر الدنيا قبل أن تحفظ آخر لحن.
ولذا، حين يسمع السكان صوتًا خافتًا يشبه بداية أغنية "سهران لوحدي"… لا يندهشون.

*الإيموبيليا… بيت النجوم الذي لا ينام
عاشت في هذه العمارة أسماء صنعت تاريخ الفن العربي:
نجيب الريحاني في شقة 321، وقد أغلقتها ابنته بعد وفاته.
محمد عبد الوهاب الذي انتقل إليها بإقناع الريحاني.
أنور وجدي و ليلى مراد في الطابق الثامن.
كاميليا التي كان يزورها الملك فاروق متخفياً.
عبد العزيز محمود في شقة 311 التي لا تزال تحمل اسمه.
محمد فوزي، وأسمهان، وأحمد سالم، وآسيا داغر، وتوفيق الحكيم… وغيرهم.
كل شقة هنا صفحة من كتاب لا يُطوى.

*معمار يسبق عصره
تضم الإيموبيليا 370 شقة، وجناحين بارتفاع 13 و11 طابقًا.
كانت أول عمارة مصرية بمرمى نفايات مركزي، وجراج يتسع لمائة سيارة، و27 مصعدًا، بعضها للخدم والأثاث.
تدفئة كاملة عبر حرق النفايات في الأسفل… في هندسة بدت وقتها ضربًا من المستقبل.

*حقيقة الأشباح… أم إرث لا يريد أن يُنسى؟
هل أشباح ليلى مراد حقيقة؟
هل اختفت لافتة المشاهير بفعل الأساطير؟
أم أن العمارة بكل ما تحمله من ذاكرة فنية وجرائم وتاريخ ثقيل، تحوّلت إلى كيان يشعر… ويتنفس… ويحزن حين ننسى ساكنيه؟
الإيموبيليا ليست مجرد مبنى.
هي مرآة لزمن كامل، ورفات حلم، ومسرح لا تزال أرواح نجومه تتحرك خلف الستار.
ولعلّ سؤالًا يبقى بلا إجابة:
هل نحن من نخاف الأشباح… أم أن الأشباح تخاف أن ننساها؟