دولةـالتلاوة .. الشيخ محمد رفعت .. قيثارة السماء

دولةـالتلاوة .. الشيخ محمد رفعت .. قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت

مصر22-11-2025 | 13:08

في صباح الإثنين الأول من شهر رمضان عام 1934، كانت لحظة فارقة في تاريخ الإذاعة المصرية، بل وفي تاريخ التلاوة القرآنية نفسها. حينها جلس المصريون حول أجهزة الراديو الخشبية ليستمعوا لأول مرة إلى صوت شيخٍ يقرأ القرآن على الهواء مباشرة، فكان الصوت العذب الباكي للشيخ محمد رفعت، الذي لُقّب منذ ذلك اليوم بـ"قيثارة السماء".

ولد الشيخ محمد رفعت في 9 مايو 1882 بحي المغربلين بالقاهرة، فقد بصره وهو في الثانية من عمره، فكان القرآن هو النور الذي أنار حياته، أتمّ حفظ القرآن في سن مبكرة قبل أن يلتحق بكتاب مسجد فاضل باشا، وهناك بدأ يتشكل وعيه القرآني والصوتي.

ما ميّز الشيخ رفعت لم يكن فقط جمال صوته، بل خلوه من أي صنعة أو تكلف، صوته كان يحمل مزيجًا من الشجن والرهبة، كأنه يستدعي خشوع المستمعين بلا جهد، وصفه الأديب مصطفى صادق الرافعي بأنه "صوتٌ ملائكي يأخذك من الدنيا إلى الآخرة".

كان الشيخ مترددًا في البداية أن يقرأ عبر الإذاعة، خشية أن يكون في ذلك بدعة أو تقليل من جلال القرآن، لكنه استفتى العلماء، فأجازوا له ذلك بشرط أن يكون الغرض نشر كلام الله. ومن هنا كان هو أول قارئ يفتتح بث الإذاعة المصرية، ومن ثم صار صوته جزءًا من الذاكرة الرمضانية للشعب المصري والعالم العربي.

الشيخ رفعت كان مدرسة قائمة بذاتها، لم يكن قارئًا تقليديًا للمقامات، كان يوظفها بسلاسة تخدم المعنى، فينتقل من مقام الحجاز إلى الصبا إلى النهوند، دون أن يشعر المستمع بأنه يتابع قارئًا متكلفًا، موسيقيون كبار كزكريا أحمد ورياض السنباطي درسوا أداءه وعدّوه "أعظم مؤدٍ للمقامات في التلاوة".

في أواخر حياته أصيب الشيخ رفعت بمرض سرطان الحنجرة، فاعتزل التلاوة وصمت صمتًا طويلًا، لكنه ظل حاضرًا في قلوب المصريين الذين كانوا يزورونه ويجلسون معه كأنهم يستمدون البركة من صوته، حتى رحل عن دنيانا في 9 مايو 1950، يوم عيد ميلاده الثامن والستين.

رحل محمد رفعت، لكن صوته بقي خالدًا، تسجيلاته النادرة التي وصلت إلينا ما زالت حتى اليوم تُذاع عبر الإذاعات المصرية والعربية، وتبث في شهر رمضان، وكأن الزمن توقف عند لحظة افتتاح الإذاعة، لقد كان بالفعل الصوت الباكي الذي لن يموت.

أضف تعليق