بعد طرح خطة السلام التى صاغها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمكونة من 28 بندًا، يقود مبعوثو الإدارة الأمريكية، تحركات مكوكية لدفع الجهود الرامية لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، ولكن فى الوقت الذى رأت روسيا فى المقترح الأمريكى أساسًا مناسبًا للتفاوض، رفض الأوروبيون المقترح بصيغته الحالية وصاغوا وثيقة بديلة تقلص المكاسب الروسية وتعزز الضمانات الأمنية لأوكرانيا..
وفى ظل تباين المواقف، فإن السؤال الذى يطرح نفسه الآن: هل تشكل خطة ترامب بداية مسار نحو تسوية تاريخية للصراع بين روسيا وأوكرانيا، أم تكون مجرد «خريطة طريق» جديدة لمفاوضات طويلة ومفتوحة؟!
تدعو خطة واشنطن إلى تجميد الأعمال العدائية على طول خط المواجهة الحالى بين موسكو وكييف، وإنشاء مناطق منزوعة السلاح، والحفاظ على السيطرة الروسية على الأراضى المتواجدة فيها حاليا، ومنع أوكرانيا من الانضمام إلى حلف شمال الأطلسى (ناتو) لفترة طويلة (20 عاما على سبيل المثال).
وتنص الخطة كذلك، على أن تقلص أوكرانيا جيشها إلى 600 ألف مقاتل بدلا من 880 ألفا، بنسبة 30% أقل، مع الاعتراف الدولى بسيادة روسيا على القرم، فى مقابل التأكيد على سيادة أوكرانيا، واعتماد خطة لإعادة إعمار أوكرانيا بتكلفة 100 مليار دولار من الأصول الروسية المجمدة، وتعهد روسيا بعدم شن أية هجمات على أوكرانيا أو أوروبا، حيث سيُعد أى هجوم روسى على أوكرانيا مستقبلا تهديدا لأمن دول الناتو، ويتطلب استجابة عسكرية من الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.
وتشير المعلومات التى تحدثت عنها وسائل الإعلام، إلى أن الخطة الأمريكية تركز فى غالبية بنودها على إعادة ترتيب المشهد الأمنى فى أوكرانيا، وحظر امتلاك أوكرانيا للأسلحة بعيدة المدى أو الصواريخ القادرة على استهداف العمق الروسى.
إلى جانب إجراء حوار بين روسيا وحلف الناتو ، بوساطة الولايات المتحدة، لحل جميع القضايا الأمنية العالقة، وتهيئة الظروف لخفض التصعيد، وموافقة الناتو على عدم نشر قوات فى أوكرانيا ، أو تمركز طائرات مقاتلة أوروبية فى بولندا.
وحسب الخطة الأمريكية، فإن أوكرانيا مؤهلة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبى، ويمكن أن تحصل على وصول مؤقت إلى السوق الأوروبية قبل البت النهائى فى عضويتها.
ومن المفترض إنشاء مجموعة عمل أمنية أمريكية روسية مشتركة لتعزيز وضمان الامتثال لجميع بنود هذه الاتفاقية، التى تنص على تمديد سريان معاهدات حظر الانتشار النووى والسيطرة عليه، بما فى ذلك معاهدة ستارت 1، وموافقة أوكرانيا على ألا تكون دولة حائزة على السلاح النووى وفقا لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وتشغيل محطة زاباروجيا للطاقة النووية بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتقاسم الكهرباء المنتجة بالتساوى بين روسيا وأوكرانيا.
وتنص الخطة الأمريكية، على تشكيل لجنة إنسانية لمعالجة القضايا المتعلقة بتبادل الأسرى، وإعادة الرفات، وعودة الرهائن والمعتقلين المدنيين، وتنفيذ برنامج لم شمل العائلات، ومنح جميع الأطراف المشاركين فى هذا النزاع عفوا كاملا عن أفعالهم أثناء الحرب، والتزامهم بعدم تقديم أى مطالبات أو النظر فى رفع أى شكاوى مستقبلا.
هذا الاتفاق سيكون ملزما قانونا، مع مراقبة تطبيقه وضمانه من مجلس السلام برئاسة الرئيس دونالد ترامب، وستُفرض عقوبات على أى انتهاكات.
وبينما وافق الجانب الروسى على المقترح الأمريكى لإنهاء الحرب، رفض الداعمون الأوروبيون ل أوكرانيا خطة واشنطن بصيغتها الحالية، قائلين إن مسودة الخطة تصلح «أساسا» للمباحثات، ولكنها تحتاج إلى عمل إضافى، حيث دعا القادة الأوروبيون إلى تثبيت دور الاتحاد الأوروبى كطرف رئيسى فى أى خطة سلام مستقبلية.
وعلى مدار الأيام التى أعقبت طرح الخطة من قبل الإدارة الأمريكية، سارع المسئولون الأوكرانيون والأوروبيون إلى صياغة مقترح بديل يمنح روسيا شروطاً أقل تفضيلاً، إذ اجتمع وفد أوكرانى بممثلين من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، ونتج عن ذلك خطة مختصرة من 19 بنداً أعيد بها صياغة معظم بنود الخطة الأمريكية مع حذف البنود التى تطالب أوكرانيا بالتنازل عن أراضٍ أو تخفيض قدراتها الدفاعية أو التخلى عن مسار الانضمام للناتو. وأكدت العواصم الأوروبية أن أية تسوية يجب أن تحفظ سيادة أوكرانيا وتضمن أمن القارة على المدى الطويل، وتدعو لاتفاق عدم اعتداء بين أوكرانيا وروسيا والناتو، مع حذف البند الثالث فى الخطة الأمريكية المتعلق بوقف توسع الحلف.
وسعى الأوروبيون من خلال الوثيقة لتقديم ضمانات أمنية قوية لأوكرانيا، وتحديد حجم قواتها المسلحة فى زمن السلم بـ800 ألف جندى، إلى جانب نشر قوات جوية للناتو فى بولندا دون وجود قوات دائمة داخل أوكرانيا.
وشملت الوثيقة الأوروبية كذلك، إطلاق خطة إعادة إعمار عالمية كبرى لأوكرانيا، تتضمن صندوقاً للاستثمار فى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والبنية التحتية للغاز، إلى جانب إعادة تطوير المدن المتضررة، وتتضمن آليات إنسانية تشمل تبادل الأسرى والرفات وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، وإعادة جميع المعتقلين المدنيين والرهائن، بمن فيهم الأطفال.
وردا على الوثيقة الأوروبية، وصفت روسيا المقترح الأوروبى المقابل للخطة الأمريكية بأنه غير بناء ولا يناسبها.
وتعليقا على خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، رأى محللون أنها تطرح مشاكل أكثر من الحلول، لأنه فى تفاصيل الخطة بالكامل كل بند يحتاج إلى مباحثات طويلة جدا بمشاركة مع مؤسسات كبيرة كحلف الناتو والاتحاد الأوروبى، مشيرين الى أن هذه الخطة قد تقود إلى سلام، ولكن هذا السلام ليس غدًا وليس بعد غد، بل قد يمتد إلى سنين من المناقشات بين الطرفين.
ولفت خبراء إلى أن الجانب الأوروبى استوعب هذه النقطة، وبدأ محاولة التعديل على بنود خطة الرئيس ترامب، من أجل إيقاع روسيا فى الفخ، ودفعها إلى عدم الموافقة عليها، وعندها سيقال ل ترامب إن روسيا من رفضت الخطة، مع أن روسيا لم ترفضها نهائيًا، بل اعتبرتها أساسًا جيدًا لأى مباحثات.
من جانبه، أعرب الخبير الروسى فى الشئون الدولية ديمترى كيم، عن مخاوفه بشأن أحد بنود خطة السلام التى اقترحها ترامب، معتقدا أن هذا البند قد يستخدم ذريعة لصراع عسكرى بين دول الناتو وروسيا، مشيرا إلى البند المتعلق بأنه فى حال انتهاك روسيا لبنود معاهدة السلام، سيتبع ذلك رد عسكرى من الغرب.
ويعتقد كيم، أن هذا البند أدرج فى الوثيقة تحديدا لتوفير ذريعة للعمل العسكرى، فبمجرد أن يشعر الغرب بأنه مستعد لحرب كبرى، أو يستشعر فوضى تلوح فى الأفق فى روسيا، سيلجأ إلى الاستفزاز والهجوم، حسب قوله.
فى حين يرى المحلل الأوكرانى فولوديمير شوماكوف، أن خطة ترامب تشكل نسخة محدثة من الشروط الروسية التى طرحت على واشنطن منذ بداية عهد ترامب، معتبرا أن أى اتفاق بهذا الشكل يعنى عمليا نزع سلاح أوكرانيا أمام روسيا.
أما الخبير الروسى فى الشئون العسكرية فلاديمير كيرياكين، فيرى أن ترامب يريد فى واقع الحال تعزيز صورته كقائد يسعى للسلام لتحقيق أقصى قدر من الدعاية الإعلامية للتغطية على إخفاقات أخرى.
ويوضح كيرياكين، أمثلة على هذه الإخفاقات كانهيار الاقتصاد الأمريكى وفشل السياسة الخارجية المتمثل فى فرض رسوم جمركية غير قابلة للتطبيق، والتوجه المتزايد نحو عدم اعتبار الولايات المتحدة زعيمة للعالم، ليس فقط بين خصومه كالصين والهند، بل حتى بين حلفائه فى مناطق أخرى فى العالم.
ويشير إلى، أنه من خلال الخطة، سيحاول ترامب مساعدة الجمهوريين على الاحتفاظ بسيطرتهم على مجلسى النواب والشيوخ فى انتخابات التجديد النصفى لعام 2026، لتجنب أن يصبح «البطة العرجاء» التى يسعى إليها الديمقراطيون بحماس شديد، حسب تعبيره.
ويؤكد كيرياكين، أن أوكرانيا لن توقع على الاتفاق، بتحريض من وسطاء أوروبيين، لكنها ستتمكن من إقناع ترامب بمواصلة النقاشات التى لا تنتهى حول تفاصيل الخطة دون وعود محددة بتقديم مقترحات حقيقية للحل، بل بمطالب بالمزيد من مبيعات الأسلحة.